كان | عند منتصف الطريق نحو «السعفة الذهبية»، بدأت تتضح معالم الدورة 66 من «مهرجان كان السينمائي» وتيماتها المميزة. لعل أبرز هذه التيمات موضوع المراهقة المعذبة الذي شكّل المحور الرئيس لثلاثة من أبرز الأفلام التي عُرضت خلال الأسبوع الأول من المهرجان، وهي «الماضي» لأصغر فرهدي، و«صغيرة وجميلة» لفرنسوا أوزون، و«الخاتم اللماع» لصوفيا كوبولا.


صاحبة «ماري أنطوانيت» اقتبست موضوع فيلمها الذي افتتح «نظرة ما» ـ ثاني أهمّ تظاهرات المهرجان ــ من قصة واقعية لمجموعة من المراهقين في سان فرانسيسكو يقودهم ولعهم بمشاهير تلفزيون الواقع الى تأسيس عصابة للسطو على بيوت نجومهم المفضلين من خلال رصد أخبارهم وتتبع تحركاتهم وأسفارهم عبر صفحات الفايسبوك. انطلقت كوبولا من هذه الواقعة لتلقي نظرة نقدية ساخرة على عالم المشاهير والنجوم في المجتمعات الاستهلاكية الغربية. ورغم أنّ المقارنة قد تبدو نوعاً من ردة الفعل النمطية، إلا أنّه للمرة الأولى، قارن النقاد فيلم صوفيا بأعمال والدها المعلم الكبير فرنسيس فورد كوبولا، خصوصاً لجهة الأسلوب الذي صوّرت به مسقط رأسها سان فرانسيسكو، جاعلةً المدينة واحدة من شخصيات الفيلم المحورية.
فرنسوا أوزون الذي ينافس على «السعفة الذهبية» سلط كاميراه على موضوع جارح هو دعارة القصر من خلال تتبع رحلة تمرد وتيه مراهقة تدعى إيزابيل (مارين فاكت) تقع في براثن عصابات الاتجار بالبشر. في هذا العمل، يعود أوزون على خطى بداياته، حيث شكّلت المراهقة تيمته الأثيرة، منذ فيلمه القصير «انظر الى البحر» (1997)، وصولاً الى فيلميه الروائيين «قطرات ماء على أحجار ساخنة» و«المسبح». ورغم قساوة موضوعه، إلا أنّ الفيلم لم يخل من الشاعرية، واحتلت أغاني فرنسواز هاردي مكانة مركزية في بنية الفيلم، حيث تدور أحداثه عبر أربعة فصول تتداخل فيها الأحداث والأزمنة، ويفتتح كل واحد منها بأغنية من أغانيها.
المراهقة المعذبة كانت أيضاً محور فيلم الايراني أصغر فرهدي الذي شكل الحدث الأبرز في انتظار دخول «الأعيرة الثقيلة» في السباق على «السعفة الذهبية» من الأخوين كوين الى ستيفن سودربرغ وجيمس غراي. نجح فرهدي في إشعال معركة التكهنات باكراً هذه السنة. شكّل فيلمه مفاجأة مبهرة للنقاد ولرواد الكروازيت. وكان مشروع الفيلم قد استقطب الاهتمام منذ البداية، كونه أول عمل يصوّره صاحب «انفصال» خارج بلاده. وزاد الفضول كونه اختار تصويره فيلمه في فرنسا وبلغة موليير، مما دفع النقاد إلى التساؤل الى أي مدى سينجح في اجتياز تجربة الاغتراب هذه من دون خسارة روحه؟
قصة الفيلم تروي رحلة تيه طويلة (جسدية ونفسية) تقود أحمد من طهران الى باريس لاستكمال إجراءات طلاقه من زوجته الفرنسية ماري. وإذا به يكتشف أنّ ابنتها من زواج سابق، تعاني مشكلة نفسية محيرة، حيث تعارض ارتباط والدتها بخليلها الجديد، وتسعى لابتكار الحيل لفصلهما عن بعض، في حين كانت علاقاتها جيدة وأبوية مع أحمد أيام ارتباطه هو الآخر بوالدتها.
يحدس أحمد أنّ في الأمر «سراً كبيراً» يفسر سلوك ربيبته المراهق، ويقرر ألا يغادر باريس قبل أن يكتشفه. على غرار فيلميه «انفصال» (أوسكار افضل فيلم أجنبي 2012) و«بخصوص إيلي» (الدب الفضي في «مهرجان برلين» 2009)، ينطلق فرهدي من هذه الصلات العائلية الاشكالية ليغوص عميقاً في الأغوار النفسية المعذبة لشخصيات فيلمه. من خلال لعبة مرايا محكمة، يراوغ جمهوره، ليجره من دون أن يدري الى تمرين ذهني تلتبس فيه قيم الخير والشر، وتسقط تدريجاً الانطباعات الأولية التي يكوّنها المشاهد عن شخوص الفيلم، بحكم انقلاب جدلية الضحية والجلاد كلما غيّر المخرج زاوية الرؤية، ليعيد طرح المشهد أو الحدث ذاته من وجهة نظر الآخر.
الحماسة النقدية التي رافقت العرض الأول للفيلم دفعت بعض الصحف الفرنسية الى إشعال معركة التكهنات باكراً، مراهنة بأنّ «أياً من أعضاء لجنة التحكيم لن يكون بمقدوره ألا يفكر في رائعة فرهدي لحظة توزيع السعفة الذهبية». هذه الحماسة أسهمت فيها «الشوفينية الفنية» الفرنسية المعتادة، كونه صُوّر بلغة موليير، ويؤدي بطولته اثنان من أبرز رموز السينما الفرنسية الجديدة، هما طاهر رحيم وبيرينيس بوجو. لكن العامل الأهم يبقى أنّ فرهدي اجتاز ـ بإجماع النقاد ـ الامتحان ذاته الذي سبق أن تصدّى له المعلم الكبير عباس كياروستامي عام ٢٠١٠ من خلال فيلم «صورة طبق الأصل» الذي صوّره في إيطاليا (بطولة جوليت بينوش). من خلال عمليهما الساحرين، أثبت هذان المخرجان الإيرانيان أن النَفَس الانساني هو المسلك الأمثل نحو العالمية.




«عمر» هاني أبو أسعد

ضمن تظاهرة «نظرة ما» التي يرأس لجنة تحكيمها المخرج توماس فينتربرغ، يعرض اليوم «عمر» لهاني أبو أسعد (الصورة). يروي الفيلم الروائي الخامس للمخرج الفلسطيني صراع ثلاثة أصدقاء وامرأة في الأراضي المحتلة. الشريط من بطولة الممثلين الفلسطينيين وليم لوباني (نادي)، ووليد فاروق زعيتر (رامي)، وآدم بكري (عمر)، وسامر بشارات (أمجد)، وإياد حوراني (طارق).