القاهرة | «مصر باتت جاهزة لحجب المواقع الإباحية، والآلية الفنية لحجبها جاهزة للعمل منذ بداية شهر كانون الثاني (يناير) الماضي» هكذا صرّح أخيراً نائب رئيس المرفق القومي لتنظيم الاتصالات في مصر شريف هاشم، فيما قدّر رئيس لجنة الصناعة في المرفق القومي لتنظيم الاتصالات عبد الرحمن الصاوي كلفة الحجب بنحو 25 مليون جنيه (3.67 ملايين دولار). التأكيد على بدء تنفيذ الحجب دعا عدداً من المهتمين بالشأن الثقافي إلى التساؤل عن مستقبل المواقع الفنية الإيروتيكية، وعما إذا كان قرار الحجب يشملها، ما ينسحب على صفحات الفايسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي ذات الصلة. «ليس هناك فن غير ايروتيكي» مقولة بيكاسو تصدرت صفحة Erotica على الفايسبوك التي تنشر اللوحات التشكيلية الإيروتيكية لكبار الفنانين في العالم، أمثال الهولندي جورج برايتنر، والإيطالي سيباستيانو ريتشي، والفرنسي لوي جان فرنسوا، والبلجيكي رينيه ماغريت، والمصري محمود سعيد....


الصفحة التي أسسها الشاعر والمترجم المصري رفعت سلام منذ ستة أشهر، وصل عدد المشتركين فيها إلى ما يقارب 14 ألفاً. تنشر الصفحة اللوحة أو المنحوتة مرفقةً باسم الفنان وسنة الميلاد أو الوفاة، واسم اللوحة، مثل «امرأة الموج»، «التفاصيل»، «أزهار الشر»، «ربات الجمال الثلاث»، «جارية»، و «جسد عاري»، وغيرها. تشتق كلمة «إيروتيك» من eros، أي شهواني وجنسي، و«إيروس» هو إله الحب والرغبة والجنس والخصوبة والسعادة في الميثولوجيا الإغريقية، ويماثله في الرومانية «كيوبيد»، فيما تهتم النزعات الإيروتيكية في الأدب والفن بالرغبة الجنسية الجامحة، مبرزةً مفاتن الجسد، ومعتنية بالتجارب الجسدية الجنسية. لازم «إيروس» أمه أفروديت راصداً التجليات الجنسية، وقد جسّدته اللوحات بأعمى لا يرى عيوب المعشوق، وبجناحين في زرقة السماء، أو عازف على قيثارة.
رفعت سلام الذي شارك في تأسيس حركة «الدستور الثقافي» عقب اندلاع «ثورة يناير»، أوضح أنّ الدافع وراء إنشاء الصفحة هو نشر الثقافة، والتعريف بأعلام الحركات الفنية في تاريخ الإنسانية، إضافة إلى تفكيك النظرة الازدرائية للجسد في العالم الشرقي. لكن سلام يتوقّع مزيداً من التقييد خلال الفترة المقبلة، «فالظلامية والتفاهة تهددان الثقافة والإبداع بجدية. وليس من حقنا الاستهانة أو التقليل من المخاطر المحدقة. فهم متربصون بعدما خرجوا من جحورهم» في إشارة إلى أنّ تلك التيارات تعتبر الثقافة والإبداع ثأرها الدائم «فكل مصادرات الكتب، ومحاكمات المثقفين والمبدعين في عهد مبارك وقف وراءها دوماً أشخاص ينتمون إلى التيارات الدينية». في هذا السياق، يمكن رصد بعض الأعمال الأدبية التي تتناول الجسد، وباتت معروفة في مصر بـ «كتابة الجسد». الروائي إبراهيم فرغلي أعلن في حزيران (يونيو) الماضي عن انتهائه من كتابة مجموعة قصصية إيروتيكية تحتفي بالجسد. فرغلي الذي أعاد قبيل الثورة طبع روايته «أبناء الجبلاوي» (جائزة ساويس) التي احتفت في أجزاء منها بالرغبات الجسدية، أبدى اعتراضه على وجود تيار كتابة الجسد في مصر، مشيراً إلى أنّ الجسد في المحروسة ظُلم ظلماً بيّناً في المجتمع تماماً كما في الكتابة، وأن الكتابة عن الجسد ربما تحتاج إلى الكثير من الدرس والتأمل. شعريًا، نكاد لا نعثر إلا على ديوان «هستريا شتاء قاهري» (دار الأدهم) للشاعر جورج ضرغام الذي يتكون من قصيدة طويلة، تحتفي بالإيروتيكا كأداة لمقاومة الإيديولوجيات، فـ «النهود التي لا بد لها أن تتخلص من البراغماتيين حتى تمارس حريتها» و«القاهرة وحدها قادرة على أن تصنع مسافة واسعة جداً بين النهدين»، و«الرسام الذي أخلص للربّ والمرأة فرسمهما عاريين». وفي الديوان يصبح رأس الأسد تعبيراً حداثياً عن الفرج، فيما يبدو السيجار الكوبي تعبيراً مثالياً عن العضو الذكري على حد مفردات ضرغام نفسه. صحيح أنّ حجب «المواقع الإباحية» لم يبدأ تنفيذه على الأرض، لكنّ «لوس أنجليس تايمز» نشرت قبل أيام مقالاً يفيد باتخاذ اجراءات عملية في هذا الإطار. يفتح ذلك علامات استفهام كثيرة حول مصير المواقع الفنية الإيروتيكية، لكنّ حصار الجسد في مصر بدأ في وقت سابق مع حوادث عديدة جرت تحت حكم الاسلاميين، أبرزها قيام جريدة «الأهرام» بنشر اللوحة الشهيرة «الكورس الشعبي» للتشكيلي عبد الهادي الجزار (1925ــــ 1966). وقد غطت نهد المرأة العارية في اللوحة (الأخبار 19/6/2012).