من بيروت بدأ مشوار التشكيلي اللبناني صلاح صولي (1962). المدينة التي ارتحل عنها بعد تخرّجه من «معهد الفنون الجميلة» عام 1984 إلى ألمانيا ليدرس الرسم والنحت، يعود إليها اليوم بمعرضه المتعدد الوسائط «أيام الخفاش الأزرق» الذي يُعرض حالياً في «غاليري أجيال».


بين بيروت التي شمّعت الحرب أجنحة أبنائها، وبرلين الهاضمة للثقافات، تكمن رحلة «إيكاروس» صوب الشمس، وقد قطعها صولي بحرفيّة وقلق إنساني. تجهيزاته وأعماله المتعددة الوسائط ستُثقلها «خِفّة الكائن التي لا تحتمل» بما تمثله هذه «الخِفّة» من ذاكرة ضائعة وهويات قاتلة، وهجرة الفرد في الروح والجسد؛ وأيضاً بما تمثله من طيف للحرب. حساسيّته الفكرية والبصرية الدائبة في زحزحة المفاهيم والصور، وهزّ جذع التاريخ حتى تتساقط قصصه الكاذبة، ستدهشنا في أعماله التي شاركت في معارض فردية وجماعية عديدة في عواصم أوروبية عديدة، إضافة إلى العالم العربي.
معارض يصعب حصرها، لعلّ أبرزها «المتاهة» (1999)، و«كلمات متقاطعة» (2001)، و«بيروت – برلين عبر مارسيليا» (2002) و«غلوريا» (2003)، و«تعويذة» (2005)، و«عبور المتوسطيّ» وCon-Fusion (2009)، و«همزات الوصل» (2010)، و«الحديقة العائمة» و«تعويذة إلى سوريا» (2012)، وآخرها «أيام الخفاش الأزرق». وفي عام 2012، شاهدنا معرضه البرليني بعنوان «البساط السحري» The Flying Carpet الذي حوّله إلى وسيلة لخلاص المرء من جحيمه اليومية وشعوره بالاغتراب.
في هذه المعارض، اشتغل صولي على صور ووثائق ونصوص وفيديوهات ومواد أُخرى جمّعها على مدار سنوات، هو الذي حصل على جائزة Blickachse 2006 الألمانية، و«جائزة بينالي الشارقة 3». هكذا سيسند أدواراً جديدة إلى هذه المواد كي تنطق بما يُقلقه، وسيبني أعماله من نصوص التعويذات، وسترات سوداء معلّقة كغربان الحرب في دير قوطي، وكتب مشنوقة بحبال ومحبوسة داخل غرفة زجاجية، وأكريليك على ورق شفاف وهشّ مثل الذاكرة، ومتاهة من الأدراج الخشبية، وعمودين من 12000 ألف كتاب في شارع الحمرا، وحديقة من الورود العائمة على رأس شجرة، وصور شمعية للمهاجرين الغرقى في المتوسطيّ، أُولئك «الإيكاروسيوّن» الذين ما انفك صلاح صولي يقلّب أوجه رحلتهم التي لن تنتهي.