في معرضه «الآن» الذي افتتح أخيراً في غاليري «جانين ربيز»، يبدو مازن كرباج (1975) قادماً من عالم آخر. ليس لأن أعماله منجزة خارج إطار اللوحة التقليدية فقط، بل لأن هذه الأعمال ذات قيمة لحظية لها علاقة بمزاج الرسام اللبناني الشاب الذي يقف على حدة بين أقرانه ومجايليه.


يضاف إلى ذلك أنّ الرسام نفسه يطرد فكرة أن تحظى أعماله بعمر أكبر من لحظة عرضها، ويشير إلى أنها «ليست جزءاً من سلسلة، وليس أحدها على صلة بالآخر بالضرورة»، كي يخلص إلى أن العنوان أيضاً يمكن زحزحته إلى زمن آخر، فتصبح «الآن» محاولة لتثبيت مزاج الرسام في لحظة زمنية يستحيل إيقافها، بينما تتحول الأعمال المعروضة إلى ترجمات متكررة، منقحة ومزيدة، للقبض على «صورة الفنان في معرضه»، إذا استعرنا عنوان رواية جيمس جويس الشهيرة. صورةٌ أو بورتريه ذاتي يقترح علينا كرباج أن نجمعها من الانطباعات الجزئية التي تصنعها كل لوحة على حدة.
هكذا، تصبح اللوحات الثلاثون محاولاتٍ متنوعة لتأويل الحالة السيكولوجية والذهنية للفنان في زمن إنجازها، ولا يمكن بالتالي تكرار التأويل ذاته لأنّ الحالة في حالة تغير مستمر. اقتراحٌ هيراقليطي غريبٌ مثل هذا يفقد غرابته حين نعرف أنّ اللوحات نفسها مجرد اسكتشات تشبه تلك التي دأب كرباج على ملء دفاتره الفنية بها.
رسام الكوميكس الذي يلعب على حافة التجهيز والبرفورمانس والكاريكاتور والموسيقى يقدّم مزاجه الشخصي على أي شيء آخر. ليس مطلوباً أن يكون الرسم متقناً أو ساعياً إلى جمالياتٍ دارجة. ما نراه يشبه رسومات طفلٍ كبر، لكنه لا يزال يرسم أحلامه وكوابيسه وخربشاته. يتعزز هذا الإحساس بوجود ست لوحات بعنوان The Egg- UFO رسم فيها كرباج معدات وأشكالاً فضائية، وست لوحات أخرى بعنوان «ولادة الكون».
الفانتازيا الحاضرة بكثافة في هذه الأعمال تتجاور مع بورتريهات شخصية ذات ملامح كاريكاتورية. اللعب بالملامح يستمر في الأعمال الأخرى المنجزة بالخربشات المرتجلة والخطوط العُصابية العنيفة. هناك دوماً رغبة في «النشاز» الذي يشبه الموسيقى «الناشزة» التي يعزفها الرسام مع أصدقائه في مهرجانات الموسيقى الارتجالية (يقيم أمسية غداً في «مركز بيروت للفن»). الحبر الأسود يؤدي الدور الأكبر في تشويش وتشويه الوجوه والأشكال.
إنها في النهاية «كائنات» مازن كرباج التي يبرع في رسمها، وتتكلم باسمه وتنقل هواجسه الفوضوية والساخرة أيضاً. الجديد في شغله هو عرض عملين داخل صندوقين، حيث الضوء الداخلي يُظهر تفاصيل الرسم بطريقة تشبه تقنية خيال الظل. إلى جانب ذلك، نرى جدارية بعنوان «بيروت/ فتيات جميلات وأبنية بشعة» يحشد فيها الرسام كائناته وتقنياته كلّها. تجاور الرسوم مع الكلمات والعبارات المكتوبة بالعربية والإنكليزية والفرنسية تُظهر الجدارية كشريط عشوائي من القصص المصورة التي تلخص الحياة اليومية في بيروت.
داخل الجدارية، يمكننا أن نلاحظ صيادين ومتريّضين على الكورنيش البحري، وازدحام المرور، ومشاهد من مقاهي الرصيف والحانات الليلية، بينما الطائرات والسفن تأخذ الناس وتعيدهم. المدينة تظهر في نسخة أخرى، شاقولية وأصغر حجماً، بعنوان «بيروت بعد الفجر». القبح والجمال المدينيان يعززان الهوية المعاصرة والحديثة للمعرض الذي يتسع للوحاتٍ تكاد تكون مستقبلية لشدة معاصرتها، إلى جانب أخرى يتخفف فيها الرسام من مناخات الكوميكس كما هي الحال في «الانتظار» و«في العاصفة» و«إلى أين» و«أثناء ذلك في سوريا»، حيث الموضوع مرتاح داخل اللوحات، ولا يرسل ذبذبات متضاربة إلى المتلقي.

معرض «الآن»: حتى 6 نيسان (أبريل) ــ «غاليري جانين ربيز» (الروشة ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/868290




جيل الحرب

هناك صعوبة في تحديد هوية مستقرة لمازن كرباج. الفنان الذي ولد في سنة اندلاع الحرب الأهلية تعددت ممارساته بين الرسم والموسيقى والكوميكس والفيديو. هو ابن تلك الحقبة التي شوشت طفولته ونشأته، وجعلت الفن نوعاً من الردّ والاعتراض على ندوب الحرب ورضّاتها النفسية. نشر كتباً وأصدر أسطوانات موسيقية. رسم قصصه ورسومه في مجلات عديدة، وعرض أعماله في أوروبا واليابان وأميركا. الحرب صارت خلفية تجمعه مع أقرانٍ ينتمون إلى الحساسية ذاتها، وإن كانت أعمالهم تختلف في التقنيات والأساليب. عثر هؤلاء على طموحاتهم في الفنون الحديثة وسياقاتها المعولمة، وطبعوا جزءاً كبيراً من الحياة الفنية البيروتية بمزاجهم وأسئلتهم الشائكة والمعاصرة.