عدي رعد*

من ذكريات الطفولة الجميلة، بعض المسلسلات اللبنانية التي كنا ننتظرها أسبوعياً على أحرّ من الجمر. فهل كانت فعلاً رائعة إلى هذه الدرجة؟ أم أنّنا لم نستطع المفاضلة بسبب غياب المنافسة؟ لن أعطيكم رأيي، لكن بإمكانكم مشاهدة هذه الأعمال على «تلفزيون لبنان» الذي يحرص على إعادتها دورياً تحت شعار «كي لا ننسى»، وإجراء تقويم موضوعي لقيمتها الفنية. ليس خافياً على أحد أنّ معظم نصوص المسلسلات كانت مقتبسة إما عن أعمال عالمية أو عربية. هنا، نكتشف أنّه لا فضل لكتّاب النصوص إلا في الإعداد والتوليف! على الرغم من ذلك، لا يمكننا أن نظلم الإخراج، نظراً إلى ما كان عليه حال التطور التقني في ذلك الوقت، مع تسجيل بعض الاستثناءات التي تركت بصمة لا تنسى حتى يومنا هذا، منها مسلسل «بربر آغا» للكاتب أنطوان غندور، إن لناحية النص أو التمثيل.

عُدّ العمل من أجمل إنجازات غندور، إضافة إلى الأداء الرائع للكبيرين أنطوان كرباج والراحلة علياء نمري التي تُعَدّ «أهم ممثلة مرّت في تاريخ الدراما اللبنانية». ومن العلامات الفارقة في تاريخ الدراما التلفزيونية اللبنانية نذكر أيضاً مسلسل «الدنيا هيك» (إنتاج ثمانينيات القرن الماضي) لمحمد شامل (1909 – 1999)، المتكامل لجهة النص والإخراج والتمثيل. وعلى الرغم من أنّ هؤلاء الممثلين اشتركوا في الأعمال المقتبسة التي سبق ذكرها، إلّا أنّ تميّزهم في غيرها من المسلسلات يثبت أنّ النص الجيّد يصنع ممثلاً جيّداً، طبعاً إذا كان يمتلك الموهبة الحقيقية وليس مجرّد مؤدٍّ أو قارئ حوار. هنا لا بد من الإشارة إلى أنّ أعمال أبو سليم الطبل وفرقته خارج البحث الآن، لأنّها برأيي في منتهى الروعة وتحتاج إلى نقاش منفصل.
هذا التقويم يقودنا إلى مناقشة وضع الدراما اليوم، وقراءة تطوّر النصوص وأسلوب الإخراج والتمثيل.
تعيش معظم النصوص الدرامية الحالية غربةً عن واقعها. وإذا حصل وخرج أحدها عن هذه القاعدة مثل مسلسل «الغالبون» (كتابة فتح الله عمر وإخراج السوري باسل الخطيب)، فسرعان ما توجّه إليه اتهامات بعدم الصدقية التاريخية. تتمتع هذه الانتقادات بقدر كبير من الصحة، فلا يمكنك تحت أي ذريعة عندما تتناول حادثة محددة أن تغيّب أبطالها أو أن تنسب الأمر إلى نفسك. أيّهما أقوى على الصعيد الدرامي؟ أن تسرد قصة المناضلة سهى بشارة (1967) أم أن تكتفي بذكر اسمها على لسان إحدى الشخصيات؟ لم أفهم ولم أتقبّل أي تبرير لتغييب الصبيّة اللبنانية التي حاولت اغتيال العميل أنطوان لحد عن العمل. أي كاتب يُسقط رواية ملحمية كهذه من نصه ويستبدلها ربما بدور «بتول» في السجن؟ أي كاتب يغيّب عن نصّه المتعلّق ببطولات المقاومة قصّة البطلة سناء محيدلي وعمقها الملحمي؟ خماسية الكاتب شكري أنيس فاخوري «قضية يوسف» هي نموذج آخر. تناول الكاتب اللبناني فيها قصة السجين الفلسطيني يوسف شعبان الذي بقي 15 عاماً في السجون اللبنانية، رغم إثبات براءته من اغتيال النائب الأول للسفارة الأردنية في لبنان، نايب المعايطة، قبل أن يخرج عام 2009 بعفو خاص من رئيس الجمهورية ميشال سليمان. قرر فاخوري أن تجري أحداث المسلسل في دولة افتراضية ينتهي اسمها بـ«ستان»، الأمر الذي أخرج القصة عن واقعيتها وجعلها عرضةً للتأويل. بالانتقال إلى نصوص المسلسلات الباقية، فهي بعيدة كل البعد عن الواقع. لا ينحصر المجتمع اللبناني كلّه بفئة «أبناء القصور»، أو «ابن البيك» الذي يعشق «ابنة البستاني الفقير» لنشهد في آخر الطريق نهاية حبهما المستحيل عندما يكتشف الشاب أنّ حبيبته هي أخته غير الشقيقة من والده وزوجة البستاني المغلوب على أمرها التي اغتصبها البيك... بغض النظر عن احتمال حدوث هذه القصة، لكن ألا يوجد مواضيع إنسانية أخرى في هذا المجتمع؟ هل يعقل ألّا يجد كتّابنا ما يجذبهم في بلد خرج من حرب طاحنة عصفت به طوال 15 عاماً مخلفةً مآسي وتغييرات في القيم الاجتماعية والنفسية والمفاهيم الدينية؟ أيعقل أن تبقى النصوص الدرامية حيادية وغريبة عن المواطن وكأنّها تجري في كوكب آخر؟ ضعف الكتابة هو أحد أبرز أسباب ضعف أداء الممثلين اللبنانيين للنصوص اللبنانية، بدليل ارتقاء مستواهم في الخارج. الحوارات تأتي متكلفة ومتصنعة وبعيدة عمّا يقوله الناس على أرض الواقع، إلى أي طبقة اجتماعية انتموا. نصوص مروان نجار هي مثال صارخ على ذلك. الأطفال في أعماله مثلاً ينطقون بكلمات يصعب على الفلاسفة قولها! وأمام هذا الواقع يصبح من الطبيعي أن يكون الأداء سيّئاً، لأنّ الممثل يجد نفسه مضطراً إلى النطق بكلام خيالي لا يشبهه، ما يوقعه في فخ الارتباك والجهد المصطنع ويمسي أداؤه ضعيفاً وبعيداً عن الواقع. في المقابل، نرى أنّ سلاسة الحوار في الدراما السورية وبساطته وواقعيته تجعل من الممثل السوري عملاقاً في أدائه وواقعيته، فضلاً عن أنّ حركة الكاميرا اللبنانية تقيّد أداء الممثل، فهي حركة موروثة لم تشهد أي تطور منذ نشأة الدراما.
إذن، النصوص هي مكمن الخلل الرئيسي في الدراما اللبنانية. لكي ننهض بها، لا بد من تحسين نوعية الكتابات، وخصوصاً أنّ في لبنان الكثير من الطاقات الجيّدة المتوارية عن الأنظار. كل ما يحتاج إليه هؤلاء الكتّاب أن يأخذ أحد بيدهم ويؤمن بموهبتهم لتغيير واقع الدراما الحالي، علّها تعبر إلى أفق جديد قد يبدأ مثلاً بتغيير أسماء المسلسلات، المضحكة أحياناً والمثيرة للغثيان في أحيان أخرى!
* ممثل لبناني