«هذا هو العيش المشترك؟ هذه هي اللاطائفية؟». لعل تعليق الفنان المعتزل فضل شاكر أول من أمس على ما حصل من قطع لطريق كفرذبيان أمام الوافدين من أنصار الشيخ أحمد الأسير هو تسجيل لنجاح الحركة «الأسيرية» السلفية في قلب الصورة والمعادلة لمصلحتها. تحوّل الشيخ ومساره الانعزالي إلى ضحية «انعزاليين» آخرين قطعوا الطريق، ودافعوا عن «مقاطعة» كفرذبيان السياحية بغض النظر عن أهداف الأسير من الزيارة وحركاته الاستعراضية.


حادثة الأسير هذه انعكست انقساماً على مشهد التعاطي الإعلامي معها؛ فبعض القنوات دافعت عن رحلته الثلجية وهاجمت قطّاع الطرق، والبعض الآخر خرج بخطاب حربي تعبوي تخويفي من عودة «شبح» ياسر عرفات وشعاره الشهير «طريق القدس تمرّ في جونية».
مشهد الحدث «الأسيري» خُصصت له ساعات طويلة من البث المباشر من مكان قطع الطريق.
بدت otv رأس الحربة في هذا المجال. ما انفكت المذيعة تذكّر عند كل نقل مباشر بأن الأهالي شعروا بالاستفزاز من إمكان تحول رحلة الأسير إلى ممر لتنفيذ «مآرب» سياسية. هذه التغطية استكملت بمقدمة أخبار نارية حربية بدت أشبه بتصفية حساب مع الخصم «القواتي» عندما قالت إنّ «القوات اللبنانية رحبت بالأسير وأعوانه في كسروان، وهي نفسها اعترضت في أيلول (سبتمبر) الماضي على زيارة العماد ميشال عون لكنيسة «سيدة إيليج»». تصفية حساب لم تنته هنا. أخذتنا المحطة البرتقالية إلى زمن الحرب وربطت زيارة الأسير لكسروان بذكرى «5 شباط عندما دخل حلفاء القوات الأشرفية»، لتختم الخطاب الحربي بالتذكير بشعار ياسر عرفات «طريق القدس تمر بجونية» الذي أسقطته على رحلة الأسير
الثلجية. منطق التخويف استخدمته أيضاً mtv التي كانت قلقة على «قلوب ونفوس الأهالي» هناك التي لم «تعد تحتمل المزيد من الانهيارات». أما «الجديد» فانتقدت بدورها هذه الرحلة. على طريقتها الساخرة، قالت إنّ الأهالي يتوجسون إذا زارهم «أرثوذكسي ويعتبرونه غريباً، فكيف بشيوخ ولحى وعناصر أمن؟». وتساءلت: لماذا لم يحتفل الأسير بالمولد النبوي في المساجد؟ ولماذا لم يقصر المسافة ويذهب جنوباً إلى أعالي جبل الشيخ؟ وانتهت بالقول إنّ الأهالي أذاقوا الاسير «طعم قطع الطريق التي كانت حكراً عليه في صيدا». كما «شمتت» «الجديد» كذلك فعلت «المنار» التي دافعت عن الأهالي قاطعي الطريق «العزّل» الذين يملكون حق «الاحتجاج السلمي». بين هذه المعمعة والدشم الحربية الإعلامية، وقفت lbci سدّاً منيعاً في وجه كل ما يقال ويروّج. ربطت الحركة الاحتجاجية لأهالي كفرذبيان بما سمّته بدء مفاعيل مشروع قانون «اللقاء الأرثوذكسي» وإقامة الفيدراليات الطائفية والمذهبية. وتبنّت خطاباً وطنياً جامعاً منفتحاً على «الآخر» الذي دافعت عنه ومن ضمنه الأسير «الذي يمنع عليه بياض الثلج لأنّ لحيته لا تشبه لحى سواه» لتتطرّق في مقدمة نشرة أخبارها إلى قضية اللاجئين والعنصرية. قد يكون قصد الأسير الاستفزاز أو استكشاف الثلج، لكن الأكيد أنّ هذه الرحلة وما تضمنتها من أحداث، أعادت لغة الحرب الأهلية. ولعل تصريح النائب فريد هيكل الخازن «ليه جايي يستفز المسيحي بكسروان؟» وغيرها من التعليقات العنصرية هي خير دليل على تفوق خطاب الحرب التعبوي على ما سواه.