دمشق | لا يزال صنّاع الدراما السورية يختبئون خلف أصابعهم ويردّدون أن الأمور غائمة في بلادهم، تحول دون تبلور رؤية درامية بهذه السرعة. ذلك هو جوابهم كلما سئلوا عن التوقيت الذي سيدخلون فيه ميدان الأحداث العاصفة التي تضرب بلادهم ويقدمون أعمالاً من وحي الواقع، وخصوصاً أن بحراً من الدماء لا يزال يهدر في عاصمة الأمويين التي يقبع من بقي فيها تحت وطأة عنف فاق أفلام الـ«أكشن» الهوليوودية. هكذا، انزوى بعض الكتاب بعيداً عما يحدث في سوريا، على اعتبار أنّ أي جرأة حالية محاولة متواضعة وبائسة أمام هول الراهن.


وفيما اختار بعضهم مواضيع تضيء على الأسباب التي أوصلت البلاد إلى هنا، ذهب آخرون نحو العلاقات السورية اللبنانية لكونها ظلت حبيسة الإعلام السوري الرسمي عقوداً طويلة، ويمكن أن تخول القائمين عليها التصوير في لبنان. مع ذلك، ظل هناك من يكتب مواضيع اجتماعية عادية مع حضور الحدث الملتهب كخلفية تمرر صوراً من الأزمة السياسية والاقتصادية والمعيشية الخانقة. لكن بعيداً عن كل ذلك، قررت السيناريست والناشطة المعارضة السورية ريما فليحان اقتحام عالم «الربيع العربي» بنص درامي ثلاثيني يحمل مبدئياً اسم «تحت الهوا» أنجزت منه ملخصاً شاملاً، إضافة إلى عدد من الحلقات تبدأ من الثورة المصرية، مروراً بالثورة الليبية، وصولاً إلى سوريا والحرب الدولية التي دارت رحاها بالوكالة في عاصمة الياسمين.
يلقي «تحت الهوا» الضوء على الجانب الإنساني والمعاناة في المحافظات السورية، من دون أن يغيب عنه همّ التوثيق للحدث وسيل الدماء من خلال قصص صغيرة تبدأ من كواليس محطة فضائية متخصصة بالأخبار وفريقها الذي أتى للعمل من مختلف الدول العربية. هكذا، يرصد المسلسل واقع الثورات ويركز على سوريا من خلال التغطية الإخبارية لهذه الثورات وعلاقة بعض الفريق الإعلامي بعضه الآخر... وستدور الكاميرا لتصوّر دمشق حيث مجموعة من الناشطين السوريين أشعلوا شرارة الانتفاضة بقرارهم التضامن مع الشعب المصري، والاعتصام أمام السفارة المصرية في دمشق، ليركز المسلسل على الحل الأمني الذي اتخذته السلطات السورية والمآل الذي أخذ إليه البلاد. ويمكن في بعض الأحيان أن تتشابه أسماء بعض المذيعين في القصة مع أسماء مذيعين مشهورين علت أصواتهم وكان لهم رأي خاص في الأحداث. ورغم بروز اسم فليحان كواحدة من الناشطين المعارضين منذ بداية الأزمة، وخصوصاً بعد إعدادها «بيان الحليب» الشهير ثم إجبارها على الاعتذار عنه، وتنظيمها تظاهرة المثقفين الشهيرة التي خرجت من أمام جامع الحسن في دمشق، ثم اعتقالها ثلاثة أيام وخروجها لتعاود نشاطها وتهرب إلى عمان بعد تعميم اسمها على الجهات الأمنية، إلا أنّه يؤخذ عليها أنها بالغت في الظهور الإعلامي، وكانت من أول الأسماء التي سمحت لقناة «العربية» بالتعريف عنها وفق انتمائها الطائفي، وعوّلت في الكثير من الأحيان على حكومات الدول الغربية رغم انسحابها من «المجلس الوطني السوري». هذا على صعيد السياسة، أما في ما يخص الدراما، فقد أنجزت فليحان بمشاركة يارا صبري مسلسلين هما «قلوب صغيرة» و«قيود الروح»، فشلا في تحقيق الحضور المطلوب. هذه المرة، قد يختلف الموضوع على اعتبار أنّ هناك ذاكرة حية وتفاصيل مهمة عاشتها المعارضة السورية، وستترك فرصة ترجمتها إلى أحداث درامية. في حديثها مع «الأخبار»، تؤكد فليحان أنّها ستتطرّق في هذا العمل إلى الجانبين الإنساني والاجتماعي، وستترك الآراء لتقال بلسان الشخصيات وتضيف: «ستبقى مناصرتي للثورة ووجهة نظري في ما يحدث حاضرةً. إنّها ميزة العمل في العموم». وعمّا إذا كان هناك من سيتهمها بالتحيز على اعتبار أنها عانت من النظام السوري، تردّ: «رغم أنني بعيدة نسبياً عن الجانب السياسي، لكن رأيي لن يتغير وقد قلته منذ البداية. قد لا يتناسب المسلسل مع جهات إنتاجية كثيرة مقيّدة بمحاذير تخصّها، لكنني سأتمسك ببنية العمل ووجهة نظره الثورية حتى النهاية». من جانب آخر، تستبعد فليحان أن تنقسم الدراما إلى مؤيدة ومعارضة مثلما حصل مع الإعلام. هي تعوّل على «خروج أقلام كثيرة ستكتب عن ملاحم سطرها الشعب السوري، لكن بعد سقوط النظام. ورغم تأخرها، إلا أنّ تلك الأقلام ستكون مؤمنة بالثورة». وتبرّر لصنّاع الدراما السورية عدم خوضهم في مواضيع تخص الحدث السوري بسبب «خوفهم من الجهات الأمنية التي لا تزال متنفذة حتى الآن». وفي ظل انهماكها بمعاناة مخيم الزعتري في الأردن بسبب العاصفة الثلجية وجمعها تبرّعات للمهجرين، ترجح فليحان «حضور معاناة اللاجئين والمهجرين في نصّها الجديد».




حكايات الأمهات... أيضاً

لن يكون «تحت الهوا» المسلسل الوحيد الذي ستنجزه ريما فليحان. سبق لها أن أنجزت فيلماً وثائقياً بعنوان «نفس»، وتعكف حالياً على إنجاز مجموعة من الأفلام الوثائقية التي تركز على الجانب الإنساني من معاناة السوريين. وأول تلك الأفلام سيحمل اسم «حكايا الأمهات». هكذا، تستعد المعارضة لنقل وجهة نظرها «الثورية» إلى مشاريعها الفنية... فهل تتهافت الجهات الإنتاجية على هذه الأعمال حتى ولو صوِّرت خارج سوريا، أم أنّ الجهات الممولة لـ«الثورة» السورية مشغولة حالياً في توفير البطانيات والحليب والسلاح في بعض الأحيان؟!