كان لنا الحظ أن نشاهد تمرينات فرقة «مقامات» على عملها الجديد «ذلك الجزء من الجنة» (كوريغرافيا وإخراج عمر راجح) في غياب معظم عناصر السينوغرافيا من ملابس وماكياج وإضاءة. لكن غياب هذه العناصر مكّننا من مشاهدة العرض مجرداً، أو بعبارة أخرى «مفضوحاً». والنتيجة عمل واعد بالكثير، كأنّ عمر راجح وجد ضالته أخيراً. يستعين مدير فرقة «مقامات» بعناصر ومفردات رقص تحيل إلى أعماله السابقة («بيروت صفرا»، و«حرب عالبلكون»، و«استمناء فكري»).


لكن اليوم، تجد رؤيته الفنية التي عمل عليها طوال العروض الماضية، وقد صارت أكثر نضجاً وتوظيفاً في خدمة جمالية العرض، وبالطبع الطرح الدراماتورجي. مثلاً، لطالما كانت السينوغرافيا عنصر إبهار في عروض «مقامات». المنصات المتحركة على المسرح، وأكوام الورق الأصفر والجرائد، واللجوء إلى الفيديو، والمجسمات الضخمة، ووضع الموسيقيين على المسرح... كل تلك العناصر التي كانت جزءاً أساسياً من المادة البصرية للعرض، كانت تحجب عن المشاهد في معظم الأحيان لذة التمتع بالراقص، بجسده، بحركته المجردة. أما في «ذلك الجزء من الجنة»، فما زالت تلك المؤثرات موجودة، حيث جميع الراقصين ــ نساءً ورجالاً ــ يظهرون نساءً على الخشبة، مع شعر مصفف، وماكياج، وأزياء قُصدت المبالغة بها مثلما يظهر الملصق الإعلاني للعرض. فيما نرى سجادة إسفنجية كبيرة مغمورة بالمياه تغطي المسرح بأكمله من دون عناصر إضافية وإكسسوارات تحضر على الخشبة. وعلى رغم أن الملابس وأرضية المسرح خياران يرتكزان على الإبهار أيضاً، إلا أنّهما يشكلان عنصراً يتكامل في طرحه الواضح والمحدد. تلك المبالغة بالأزياء، مع ملامستها الأرضية المبللة، ستتشوه تدريجاً لتتحول خلال العرض إلى البشاعة الدرامية. أما المؤدون فيرقصون على السجادة في فضاء فارغ، ما يتيح للمشاهد متابعة واضحة تمكّنه من الاستمتاع بتفاصيل الكوريغرافيا والأداء. إخراجياًَ، لم يتخل راجح عن الحبكة الدرامية. النصّ الذي كان يتلوه الممثلون على الخشبة حيناً أو يعبّرون عنه رقصاً أحياناً، تحول هنا إلى همهمات وأصوات توحي بقصص مؤلمة وغامضة يلمسها الجمهور بشكل عميق. بذلك، صار النص جزءاً من موسيقى العرض التي جاءت من تأليف زاد ملتقى وغناء فاديا طنب الحاج، إضافة إلى مقطوعات من تأليف جان مدني، و«تريو تورد غوستافسن».... وفي الجزء الأهم أي الكوريغرافيا، فالطرح متطور جداً عن العروض السابقة. ما زالت تحضر الجمل الحركية التي ترتكز على رجفان الجسد المتوتر، وهي الأضعف لأنها لا تقدم سوى عصب جسد الراقص المنفعل الذي يفرغ من جماليته مع ازدياد توتره، بما في ذلك من ضجة حركية مجانية. لكن في «ذلك الجزء من الجنة»، صارت تلك الضجة الجزء الأصغر من الكوريغرافيا العامة التي باتت أكثر إتقاناً في أجزاء الجماعة كما في الصولوهات. يقدم جميع الراقصين مشاهد جماعية راقصة ومتجانسة تكشف عن إمكانية كبيرة وأداء لافت وبارع لدى كل من: ميا حبيس وزي خولي وبسام بو دياب، وهالا أبي راشد، لكن يتميّز الراقص علي شحرور بحضوره، وتعبيره، وانسياب جسده في تفاصيل حركته. أما قصة العرض، فيقول راجح إنّها حكاية خمس نساء سرقت الحرب منهن لون الحياة. ذاكرة العنف حاضرة في كل لحظة وهي تكبر ككرة بيضاء «نقية».

«ذلك الجزء من الجنة»: 8:30 مساء 18 حتى 26 الحالي ـ «مسرح المدينة» (الحمرا ـ بيروت) ــ للاستعلام: 01/753010




حلقة نقاش

يضع عمر راجح جمهوره في أجواء مسرحيته منذ دخوله صالة «مسرح المدينة» في الحمرا. عند الذهاب لحضور «ذلك الجزء من الجنة»، يستقبلك تجهيز صوتي من توقيع ميا حبيس عند مدخل المسرح. وستلي عرض الافتتاح حلقة نقاش بالتعاون مع «مكتبة البرج»، تجمع كل من شوقي عازوري، وأنطوان مسره، ونايله هاشم، إضافة إلى مخرج العرض. ويسافر عمر راجح قريباً إلى ألمانيا ليكون على موعد مع «المهرجان الدولي لعروض الصولو» في مدينة بون حيث يقدم عمله السابق «في مواجهة الصفحة البيضاء»