لم تتغير الصورة النمطية المكرّسة للأدب الروسي عربياً في المجمل. ولعل بوسعنا القول إنّ المعرفة العربية بالأدب الروسي لا تزال عالقة عند الاتحاد السوفياتي، بكونه ممثّل آخر مرحلة عظيمة لهذا الأدب الذي يومئ مشهد النشر والترجمة العربيين إلى أن كل ما جاء بعد ستينيات القرن العشرين لا يستحق الترجمة. بل ربما لم نكن لنعرف هذا الأدب، لولا دارا النشر الشهيرتان «التقدّم» و«رادوغا». كان دوستويفسكي استثناء (ولو إلى حين) خارج نطاق ترجمات هاتين الدارين، بسبب الجهد الاستثنائي للمترجم الراحل سامي الدروبي، أما اليوم، وبعد «انقراض» منشورات الدارين، لم يبق لدينا أحد، إذا استثنينا الترجمات القليلة لأعمال فالنتين راسبوتين. حتى في السنوات الأخيرة التي شهدت إحياء لترجمة الأدب الروسي، بقي الأمر مقتصراً، معظم الأحيان، على إعادة نشر الترجمات القديمة، حيث قرأنا طبعات عديدة عن دور نشر مختلفة لترجمة الدروبي لدوستويفسكي، فيما انفردت وزارة الثقافة السورية بترجمة صياح الجهيم لتولستوي، وأعادت دار «المدى» طبع ترجمات متفرقة لغائب طعمة فرمان، بخاصة رواية شولوخوف «الدون الهادئ».


كان تشيخوف هو الاستثناء هذه المرة، إذ أعادت دار «الشروق» طباعة مؤلفاته الكاملة ذات المجلدات الأربعة بترجمة أبو بكر يوسف، لنكتشف لاحقاً بأن تلك الأعمال «الكاملة» لم تكن كاملة، إذ انفرد خليل الرز بترجمة مجلدين جديدين من أعمال تشيخوف، ثم قام جولان حاجي بترجمة «دفاتر سرّية» بعد سنوات عدة، وهو كتاب يضم يوميات متفرقة، وشذرات، ورسائل، وملاحظات، إلى أن وصلنا إلى الكتاب الجديد «رسائل إلى العائلة» (كتاب مجلة «الدوحة» - ترجمة ياسر شعبان)، الذي يضم مختارات من رسائل تشيخوف إلى أفراد عائلته.
لا بد من الإشارة بداية إلى الأخطاء التي اقترفها مترجم «رسائل إلى العائلة»، والتي تكشف عن جهل المترجم بالكاتب. لن نتحدث عن مشكلات الترجمة في متن الكتاب، إذ يتعلق معظمها بضعف أو ركاكة في تراكيب جمل المترجم، ولكن مقدمة الكتاب احتوت على أخطاء فادحة، إذ أصبح تشيخوف هنا «أحد أكثر الكتّاب شهرة في الاتحاد السوفياتي»، بينما هو ابن لروسيا القيصرية، وليصبح فانيا عماً بدل أن يكون خالاً في مسرحية «الخال فانيا»، علاوة على أخطاء أخرى عدة في ترجمة عناوين الكتب. ولم تسعفنا الترجمة في تمييز اختلاف نبرة تشيخوف التي تبدّلت مرات عديدة في رسائله المختلفة، بل بدا الكاتب هنا غارقاً في «مونوتون» ممل.

كل ما عداه يدور
في فلكه قبل أن
يصبح هدفاً لتحليلاته النفسية الممتعة

سيكتشف القارئ في هذه الرسائل زوايا كانت معتمة في حياة تشيخوف. احتلّت الرحلات البحرية إلى سيبيريا وأوروبا معظم «أحداث» الكتاب، تاركة ما تبقّى للحظات «استقرار» تشيخوف المتناثرة في الطبيعة الريفية، حيث كانت معظم رسائله إلى زوجته. بعيداً من العين الثاقبة في التقاط أصغر التفاصيل في اللباس والطعام والشراب والأجساد والوجوه والأصوات والطقس، سنجد ذلك التوازي الدقيق بين تشيخوف الطبيب وتشيخوف الكاتب في رسم السمات السيكولوجية لبشر هذه الرحلات. بدا تشيخوف هنا المركز الثابت، فيما كلّ ما عداه يدور في فلكه قبل أن يصبح هدفاً لتحليلاته النفسية الممتعة. ليس هناك إنسان موحّد السمات، بل إنّ الوصف يتبدّل مع كل محطة جديدة في الرحلة. ليس النادل شبيهاً بالربّان، وليس ابن سيبيريا شبيهاً بابن البندقية، وليس تشيخوف هو ذاته.
في الرسائل الأولى كان المال هو العنصر الأكثر تكراراً، حيث يذكره تشيخوف في جميع الرسائل. أما بعد «الارتياح» المادي الذي لم يصل مرحلة البحبوحة مطلقاً، يتحرر الكاتب من بوحه الشخصي ليبدأ بوحه إلى الآخر وعنه، ولتبدأ الاستفاضة في الوصف، وطرق باب السخرية التشيخوفية المميزة. اللافت في الأمر أنّ إحساسه بجدوى الكتابة لم يتغيّر بحسب حالته المادية. إذ ليس ثمة فارق كبير بين عبارته «إنني أكتب القليل عن كل شيء، نوعاً ما من الثرثرة. لا أكتب من أجل المجد، لكن من وجهة نظر تجارية، ومقابل النقود التي حصلت عليها مقدّماً» في الرسائل الأولى، أو «لم أعد أرغب في الكتابة»، أو رسائله الأخيرة إلى زوجته قبيل وفاته. ربما بدأ تغيّر طفيف في الأمر بعد عام 1897، وهو العام الذي شهد انطلاق نجاحاته المسرحية، والذي يتوافق ربما مع «نبوءته» التي أطلقها مبكراً بأنه لن يشرع في أي عمل جاد قبل سن الخامسة والثلاثين.
ليست الكتابة هي المحور الأوحد في الرسائل، بالرغم من الملاحظات المهمة التي أدرجها تشيخوف عن أفكاره بخصوص صفات المثقف ومزايا الأعمال العظيمة لمن سبقوه، بل إنّ الحضور اللافت لعائلته، برغم المسافات، هو الذي يحتلّ الهاجس الأكبر في هذا الكتاب، بخاصة علاقته الخاصة بأمه، وعلاقته المتوترة بزوجته التي هجرته في فترة مرضه الأخير قبل وفاته، ثم بدأت بعد وفاته بكتابة رسائل متأخرة. يصلح هذا الحضور العائلي المتشابك والمعقد لأن يكون وسيلة لدراسة أدب تشيخوف، أو إلقاء ضوء جديد عليه من زاوية مختلفة.
قد يبدو كتاب «رسائل إلى العائلة»، بالنسبة إلى قرّاء الصورة النمطية، بأنه لا يضيف جديداً عن ما يعرفونه سلفاً عن تشيخوف، ولكنّ البساطة الظاهرية للأسلوب التشيخوفي ليست سوى السطح الهادئ للمحيط الذي ينتظر ترجمة ونقداً يليقان به. عبارة «ليس هناك ما نشكو منه» على بساطتها، تومئ إلى الكثير من الزوايا المجهولة في حياة تشيخوف وأدبه اللذين ينتظران من يسبر أغوارهما بروح جديدة.