إذا كانت المرة الأخيرة التي خصّصنا فيها مساحة لتاتيانا بريماك-خوري تعود إلى أكثر من ثمانية أشهر، فهذا لا يعني أن أمسيتها الأخيرة تعود إلى ذاك التاريخ. عازفة البيانو الأوكرانية اللبنانية أغزر من تغطيتنا لنشاطها بأضعاف. في لبنان، لا يوجد موسيقي من طرازها وفي مجالها يضاهيها لناحية وتيرة ظهورها ناهيك عن مستوى هذا الظهور واختلاف البرنامج في كل مرّة.


هذا الأمر يتطلّب جهوداً لا يعرفها سوى صاحبها والملمّين بمدى التحدّي الذي يرفعه عازف البيانو لتأمين هذا الكمّ النوعي من الإنتاج. أساساً، لم يعرف لبنان تاريخياً شخصيةً في مستوى تاتيانا، ولم يَعتَد سلوكاً مهنياً فنّياً كهذا في العزف على الآلة المتعِبة. من كان بإمكانهم منافستها أو معادلتها أو ربما تخطّيها، هاجروا الوطن. هذه المقدِّمة توحي لمن لا يعرف البلد بأننا نتكلّم عن فنانةٍ يتهافت الإعلام على استضافتها في هذا البرنامج أو ذاك لمعرفة آخر أخبارها، في الوقت الذي لن تجدوا قبل الفضائيات أو معها، قبل اليوتيوب أو معه، أي حديث مع بريماك-خوري أو حتى عنها (ربّما باستثناء إطلالةٍ يتيمة في التسعينيات.

استعادة أعمال
اللبناني أنيس فليحان
وغيره

هي أصلاً تتقن ببراعةٍ لغةً لا تهمّ أحداً ولو أن الجميع يفهمها. هذا لأن في لبنان (والعالم ليس أفضل منّا بكثير) المعادلة بسيطة: أغنية واحدة رديئة تستدعي تهافت الإعلام على صاحبتها/ صاحبها (بدلاً من أن تُستَدعى شرطة الأخلاق الفنية)، مئة عمل فنّي محترم تعني مئة في المئة تهميشاً لمبدعها. كيف تستمر امرأة مثل تاتيانا؟ لا نعرف. بمَ تستمر؟ بالشغف والضمير الفنيَّين والتفاني المهني، وكلّها فضائل منقرضة اليوم، بعدما أنعشها لعقودٍ نظامٌ عاشت فيه العازفة الأوكرانية الأصل يوماً ما.
عند السابعة من مساء اليوم، وبدعوة من جامعة «البلمند» (الكورة)، تحيي تاتيانا بريماك - خوري أمسية كلاسيكية في برنامج غير كلاسيكي إطلاقاً. فهي التي وَفَت باخ وموزار وبيتهوفن حقّهم، ولا تزال تفعل، لا تتردّد في الإضاءة على أعمالٍ تستحق بأقل تقدير فرصة «تجسيد صوتي» أمام الجمهور. إنها مقطوعات للبيانو كتبها مؤلفون مغمورون من العالم، علماً بأن تاتيانا تعطي الأولوية دائماً، وكما هي الحال تاريخياً وفي جميع البلدان، إلى مواطنيها (وبمثنّى الجَمْع إن وُجِد)، أي المؤلفين اللبنانيين والأوكرانيين. وفي هذه الأمسية، اختارت اللبناني أنيس فليحان والأوكرانيَّين ميكولا ليسنكو وبوريس لياتوتشينسكي. إضافة إلى هذه اللفتة «الوطنية»، تتّسع مروحة برنامج الأمسية لتشمل مؤلفين من الفئات التالية: العظماء (شوبان)، المعاصرون المعروفون قليلاً (راوتافارا)، المغمورون (روكسانا بانوفنيك) والمغمورون نسبياً لكن الكبار في وطنهم (أشهر مؤلف كلاسيكي تركي، أحمد عدنان سايغون).



أمسية تاتيانا بريماك - خوري: 19:00 مساء اليوم ـ «جامعة البلمند»، الكورة