هذه ليست المرة الأولى التي نتناول فيها عازف الكلارينت والمؤلف السوري كنان العظمة (1976). فإصداراته كثيرة وأمسياته بالعشرات (ساهم بعضها في إعانة اللاجئين السوريين في العالم)، وللبنان حصة ثابتة منها، آخرها مشاركته في أمسية ”أصداء من سوريا“ ضمن ”مهرجانات بيت الدين“ (2013). مساء غدٍ يحل ضيفاً على «مسرح مونو“ برفقة زميله كيفورك مراد الذي يتولى الشق البصري في الأمسية، لتقديم مشروع جديد مستوحى من الكارثة السورية، بعنوان Home Within.


قلنا ونكرِّر، لكنان العظمة خياراته الموسيقية الصائبة وتلك غير الصائبة. كأي فنان، تتكوّن شخصيته ومسيرته من عناصر فنية قوية وثابتة وأخرى تحتاج إلى إعادة نظر جزئية أو جذرية. كعازف كلارينت، لا غبار على قدراته وكمؤدٍ (أي عند تقديمه كلاسيكيات الريبرتوار الغربي أو أعمال جديدة لمؤلفين معاصرين، من أبناء وطنه وغيرهم) يمكن القول إنّ مستواه يليق بالمهنة؛ إن أبدع هنا هذا طبيعي وإن تعثّر هناك فهذا أكثر من طبيعي. نصل إلى بيت القصيد، أي إلى كنان المؤلف. رؤيته العامة لمسألة التأليف تستوجب الاحترام، فهو ليس تجارياً في زمن الاستهلاك. لكن الدخول إلى عالمه هذا يبيِّن نقاط ضعف، أسوأ ما فيها أنها خفيّة وشديدة الأهمية. في الواقع مسبّبات هذه المشكلة ليست جميعها من مسؤولية كنان. فهو ضحية زمنٍ وجمهورٍ وأجواءٍ فنية عامة، يعيش الغرب في صميمها منذ سنوات، ويعيش الشرق تأثيراتها، تارةً بفعل عقدة نقص، وطوراً بفعل إعجابٍ غير مُغَربَل بالغرب. هذا موضوع شائك، التوسّع فيه يستوجب التعريج على أكثر من مجال غير الفن والموسيقى، ولسنا أصحاب أهلية للغوص في تفاصيله. هذه مسؤولية مفكرين من واجبهم استكمال ما بدأه الراحل ادوارد سعيد. على أي حال، لا يبقى «غداً» من الكتابة عن الموسيقى إلا عنصران: أولاً المعلومة، ثانياً ما يوافق عليه المجتمع نتيجة مجموعة من الاستنتاجات اللاواعية التي يجريها ويبْلِغها للتاريخ كي يحفظها. الباقي يُفرَز إلى قسم التحاليل غير الصائبة. بالتالي، عند كل إطلالة له، ندعو دائماً الجمهور إلى ملاقاة كنان العظمة، فالنقد عموماً لا يصل إلى ثني الناس عن متابعة أية تجربة موسيقية، خصوصاً أنه قد يُخطئ.

يتولى زميله
كيفورك مراد الشق البصري في الأمسية

بعد متابعة نتاجه الغزير (والغزارة مقلقة غالباً) وصلنا إلى استنتاجات عدة تخصّ كنان العظمة المؤلف: أولاً، هو شديد الإصرار على حصر نفسه في جَوَّين اثنين: إما الأسى والحنين والتأمل، إما الحركة بمفهومها الموسيقي المعاصر (التشنج والفوضى في الشكل). في الجَوّ الأول، يأخذ تأليفه منحاً تصويرياً ما يجعل الفارق شبه معدوم بين ما ألفه للأفلام (مثل أسطوانة ”Rigodon“/2007) وما ألفه لغايات أخرى. من هنا، يُعتَبَر تعاونه مع مواطنه الفنان كيفورك مراد (رسم وفيديو/تحريك)، فكرةً ممتازة، خصوصاً أنّ الرجلين متفاهمان لدرجة التطابق الفكري في التعبير. ثانياً، كنان العظمة مطّلع بحكم دراسته واحتكاكه بمجتمعات كثيرة على تيارات كثيرة، من الموسيقى المعاصرة (الكلاسيكية كما المسماة جاز حديث) إلى الموسيقى الإثنية وموسيقى الشعوب وغيرها. مع الإشارة إلى أن قدرته على التعامل معها تامّة، بما أنه موسيقي مكتمل. غير أنه انجذب، في بعض الأحيان، إلى الخلاصة التي يبحث عنها الجمهور النخبوي الغربي الذي يدّعي تمايزاً مزيفاً وانفتاحاً سلمياً وسطحياً على الحضارات. هذا الجمهور لحقه ناشرون فأفسدوا جزءاً مسكيناً من الجمهور وضللوا مؤلفين من الشرق والغرب، فصار الأمر واقعاً، لا مكان فيه لمن يعاديه. خلاصة القول، لا نوفّر كنان العظمة من صراحتنا، لأن صدره رحب ولأن حرصنا على أية طاقة فنية كبير.

* Home Within كنان العظمة: 20:30 مساء الغد ــ «مسرح مونو» (الأشرفية) – للاستعلام: 218078/01





إصداراته

درس كنان العظمة في سوريا ثم تابع دراسته في أميركا. منذ عام 2005، أصدر ألبومات عدة آخرها بعنوان «غرب وشرق“ (2013) مع ”أوركسترا مندلسون لموسيقى الحجرة“ (بقيادة أوريليان بيلو) وقبلها ”شروق“ (2012) مع الـNDR Big Band (بمشاركة إبراهيك كيفو ومسلم رحّال وغيرهما) و”رسائل إلى الوطن“ مع فرقته الأساسية ”حوار“ (2012) وبالاشتراك مع أوركسترا Morgenland لموسيقى الحجرة (وأيضاً عازف الإيقاعات اللبناني روني برّاك) و”قصص مركّبة، أصوات بسيطة“ (مع عازف البيانو دينوك ويجراتنه) وغيرها من التسجيلات التي بدأها مع موسيقيين سوريين تشتتوا اليوم في لجوءٍ قد يطول للأسف.