القاهرة | «انجي ماتت، بس علي لن يموت» هكذا علّق الصحافي محمد الجارحي على خبر وفاة مريم فخر الدين (1933 ـ 2014) أمس، هي التي جسدت شخصيتها الأشهر «إنجي» في فيلم «رد قلبي» (1957 ـــ اخراج عز الدين ذو الفقار) الذي أسّس لبداية الحقبة الناصرية في مصر.


كل حدث في مصر باتت تطارده التعليقات السياسية، بما في ذلك رحيل الممثلة الكبيرة بعد صراع طويل مع المرض. دخلت «أنجي» ذاكرة الجمهور في الفيلم الشهير الذي اعتُبر لاحقاً الشريط الرسمي لـ «ثورة 23 يوليو». فـ «إنجي» هي ابنة الأسرة العلوية التي أطاحت بها الثورة، جمعها الحب بـ «علي» الضابط في الجيش الذي شارك زملاءه في الانقلاب على الملك فاروق الأول. ماتت «إنجي» وعلي لن يموت. كتبها محمد الجارحي على تويتر، مشيراً إلى أنّ «علي» هو الحكم العسكري الذي يرى بعضهم أنّه عاد إلى مصر رغم «ثورة 25 يناير». لكن بعيداً من السياسة، ودّع الجمهور فخر الدين بعد حياة فنية وشخصية حافلة. اشتهرت بشخصيتها المتميزة وبجمالها الأخاذ على الشاشة وإن كانت لم تصنف ضمن الممثلات ذوات القدرات العالية. فخر الدين واحدة من أبرز نجمات زمن الفن الجميل التي قدمت أكثر من 250 عملاً في السينما والتلفزيون على مدار أكثر من 55 عاماً وقفت فيها أمام الكاميرا بعدما بدأت مسيرتها وهي لم تكمل عامها الـ 18. ولدت في 8 كانون الثاني (يناير) 1933 في كنف أسرة مصرية مجرية. والدها من أصول صعيدية، ووالدتها سيدة مجرية انتقلت للإقامة في القاهرة مع عائلتها في طفولتها حتى تزوجت. مع بداية الخمسينيات، كانت السينما قد بدأت في الانتعاش وأصبحت صناعة مربحة للمنتجين والمخرجين. وكانت رحلات البحث عن الفاتنات تبدأ من صفحات المجلات، ما دفع عدداً كبيراً من المخرجين والمنتجين للتوجه إلى منزل أسرة مريم فخر الدين لترشيحها لأدوار من بينهم أنور وجدي.

أسّس «رد قلبي» (1957) لبداية الحقبة الناصرية في مصر

إلا أنّ والدها كان يرفض دوماً دخولها هذا المجال. لعبت المصادفة دوراً مهماً في حياة فخر الدين. بعدما حصلت على شهادة البكالوريا من المدرسة الألمانية، أتتها الفرصة عن طريق أحمد بدرخان. كانت صداقة تجمع المخرج المصري بوالدها، وكان دائم التردد على منزلهم يتناقش مع والدها في أمور عدة لا علاقة لها بالفن. في إحدى المرات، عرض بدرخان عليه أن تؤدي فخر الدين بطولة فيلمه الجديد «ليلة غرام» (1951). وضع والدها قيوداً مشددة على عملها الفني في البداية، ورفع أجرها إلى 1000 جنيه في الفيلم في محاولة لكبح تهافت المخرجين عليها، إلى أن فكر المخرج محمود ذو الفقار في الزواج من مريم التي كانت تصغره بـ 23 عاماً كي يطمئن الأب. وكانت هذه أولى زيجة حسناء الشاشة.
الزواج الأول كان بمثابة الباب الذهبي لدخول عالم التمثيل، خصوصاً أنّ موهبتها الفطرية وجمالها جعلا المنتجين يسندون لها أدواراً مهمة في الأفلام التي شهدت زيادة كبيرة في الخمسينيات والستينيات، فكانت أدوار الفتاة البريئة الطيبة من نصيبها باستمرار. أنجبت من زوجها ابنتهما الوحيدة إيمان واستمرت زيجتهما 8 سنوات إلى أن انفصلا مطلع عام 1960 بسبب ما وصفته مريم لاحقاً بمعاملته القاسية لها وإيذائهاً جسدياً.
خلال زواجها من ذو الفقار، قدمت أهم أفلامها على الإطلاق أي «رد قلبي» (1957) مع المنتجة آسيا. جسدت هنا شخصية الأميرة انجي التي تقع في حب علي ابن الجنايني (شكري سرحان). تزوجت مريم للمرة الثانية من محمد الطويل وأنجبت ابنها أحمد. لكن الزيجة لم تدم أكثر من 4 سنوات، لتتزوج بعدها بثلاث سنوات الفنان السوري فهد بلان. زيجة لم تدم سوى أشهر تمت خلال وجودها في بيروت عام 1968 من أجل تصوير بعض الأعمال، فيما كان شريف الفضالي آخر أزواجها وانفصلت عنه قبل أكثر من ثلاثة عقود. الراحلة كانت تؤكد دوماً أنّ أياً من أزواجها لم يحبّها، ما أدى إلى انفصالها عنهم. من أعمالها المميزة أيضاً فيلم «الأيدي الناعمة» الذي شاركت فيه مع أحمد مظهر وتطرق إلى حياة الأثرياء بعد ثورة 1952 والقضاء على الإقطاع. قدمت مريم دور الزوجة الطيبة التي تتعرض للظلم من زوجها في أكثر من عمل أبرزها فيلم «لا أنام» مع فاتن حمامة، و»أبو أحمد» مع فريد شوقي، فيما حصدت عن دورها في «لا أنام» جائزة خاصة من وزارة الثقافة.
اعتزلت السينما مع نهاية السبعينيات تقريباً خلال الفترة التي شهدت مجموعة مختلفة من الأعمال بوجوه صاعدة، فيما تركزت أدوارها لاحقاً على الظهور الشرفي ضمن مشاهد في أفلام عدة كـ»النوم في العسل»، «يا تحب يا تقب». خلال تصريحاتها، كانت ناقمة دوماً على أفلام المقاولات التي انتشرت في تلك الفترة واعتبرتها سبباً في تخريب صناعة السينما. آخر ظهور لها على الشاشة الكبيرة كان في فيلم «كذلك في الزمالك» حيث قدمت دوراً شرفياً، فيما جاء اعتزالها مصحوباً بعدم عرض أدوار عليها خلال السنوات الأخيرة رغم عدم معارضتها العودة إلى السينما مرة أخرى.
اشتهرت مريم فخر الدين بتصريحاتها المثيرة للجدل خلال إطلالاتها التلفزيونية المختلفة. ورغم تعاونها مع فاتن حمامة في أكثر من فيلم، إلا أنّها كانت ترفض وصفها بـ «سيدة الشاشة العربية» منتقدة هذا الوصف الذي يقلل من باقي فنانات جيلها ويعتبرهن جواري لها. كما أثارت حالة من السجال بينها وبين أسرة الفنانة القديرة صباح عندما اتهمت الأخيرة بالزنا في برنامج تلفزيوني. وهددت أسرة الفنانة اللبنانية بملاحقتها قضائياً، فيما اتهمت نبيلة عبيد التي شاركت معها في أكثر من عمل إذاعي، بأنها كانت على علاقة بوزير الداخلية الأسبق اللواء حبيب العادلي المحبوس على ذمة قضايا فساد.
وهاجمت مريم فخر الدين أيضاً يوسف شاهين، معتبرة أنّه أسوأ مخرج، وانتقدت تمثيل منة شلبي. وكان حديثها عن الذكريات المرضية لعبد الحليم حافظ قد أثار استياء جمهور العندليب الأسمر، خصوصاً مع ذكرها مساوئ حالته الصحية. كذلك انتقدت هند رستم وأداءها في الأفلام وهاجمت الجيل الجديد في السينما، مؤكدة أنّه يفتقد إلى الكاريزما في أدواره وغياب المضمون الجيد عن أعماله، خصوصاً مع ابتعاده من الرومانسية والتركيز على أعمال البلطجة.