«ماذا صنعتَ بالذهب، ماذا فعلتَ بالوردة؟». سيكون في الإمكان استعارة السؤال من الراحل الكبير أنسي الحاج، لطرحه على مؤلف ومُخرج مونودراما «نديمة» من دون انتظار إجابة. لو كانت الإجابة حاضرةً، لما تُرك الأداء اللافت الذي قدّمته الممثلة روبين عيسى ضحيّة نصٍّ شبيهٍ بالذي كتبه وأخرجه الفنان علي صطوف. نصٍّ مُغرق في السردية، مُتخفف من البنية الدرامية التي هي بطبيعة الحال روحُ المسرح، سواء كان الحامل اللغوي حواراً أو مونولوجاً، أو حتى كان العرض صامتاً. وإذا كان المؤلف قد وقع في فخّ غياب الرؤيا المُضادة التي تقومُ عادة على كاهل المُخرج (وهو هنا المؤلف ذاته) فقد كانَ حرّياً بالدراماتورج رانيا ريشة التنبّه إلى هذا المطب، والسعي إلى إيجاد الحلول. لا يبتعد «نديمة» عن القوالب المعهودة في كتابة نصوص المونودراما. ثمة بطلة وحيدة، تستحضر حكايات قديمة، تخصُّ فتياتٍ وسيدات شرّدتهنَ الحرب كما شرّدتها. هي التي ألفَت نفسها تسكنُ قبواً في أحد المباني، وتعتاش من غسل ثيابِ سكانه، متنقلةً بين حكايةٍ وأخرى عبر ارتداء قطعة ملابس تخصُّ صاحبة الحكاية. على أنّ الكاتب لم يحاول الغوصَ عميقاً في مجتمع الحرب. لو فعل ذلك، لطالَعنا بحكايات أعمقَ، وأصدق. حكاياتٍ جديدة تماماً، لا يُنتجها سوى مجتمع الحرب.


لكن بدلاً من ذلك، وضعنا أمام المآسي المعهودة التي تعاني منها المرأة في معظم المجتمعات. روى لنا مثلاً قصة امرأة عقيم، وأخرى استجابت الآلهة لدعائها فمنحتها ابناً كانت قد نذرت أن تسميه اسماً مُركباً تتداخل فيه الديانات والطوائف.
كما اختار لماضي نديمة/ البطلة المحورية تلك الثيمة المعهودة عن طفلة زوّجها أهلها برجل يكبرُها بكثير، ثمّ يبدأ بتقديمها لأصدقائه، ويشرف على تحويلها إلى راقصة تبيعُ جسدها. ويبدو أن موضوعة الحرب والتشرد الناجم عنها قد دفعا الكاتب إلى الجنوح نحو منطوقٍ حاول أن يكون وجدانياً ومؤثراً، فأوغل في شعرية أخذت شكل البكائيات والمراثي، ما فرضَ نوعاً من الرتابة، وخلق في كثير من الأحيان قطيعةً مع المتلقي.
قطيعةً يبدو أن المخرج حاول تلافيها عبر الاستعانة ببعض المؤثرات الخارجية التي سبق أن حجزت مكاناً لها في الوعي الجمعي. يطالعنا مرةً بمقطوعة شعرية بصوت الشاعر العراقي مظفر النواب «يا حزن»، وأخرى بشارة مسلسل «نهاية رجل شجاع»، من دون أن تضفي تلك المؤثرات أي قيمة درامية مضافة. التوفيق الذي جانَب علي صطوف كاتباً، حالَفه مخرجاً. أجاد ملء الفضاء المسرحي بممثلة وحيدة، وحبالِ غسيلٍ أُحسن استغلالها سينوغرافيّاً، ودلاليّاً. كما يُسجل له، تمكنه من استغلال قدرات ممثلته الوحيدة. الديكور، والأزياء بدورهما أفلحا في أداء الوظائف المطلوبة منهما، كما أسهم تصميم الإضاءة في خلقِ مشهديّة أنيقة.

«نديمة»: حتى 4 ت2 ــ «مسرح القباني»، دمشق.