اعتدى المحامي والنائب في البرلمان اللبناني نقولا فتوش قبل يومين على الموظفة في قصر العدل منال ضو (34 عاماً). فعله مدان لأنه اعتدى على مواطنة، لا لأنّه اعتدى على امرأة. حالما انتشر خبر اعتداء فتّوش على الموظفة منال ضو لأنّها رفضت إعطاءه الأولويّة في تسجيل شكواه في النيابة العامة في قصر العدل في بعبدا، انهالت التعليقات الشاجبة والمدينة لفعلة نائب الأمّة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكنّ جزءاً كبيراً من تلك الإدانة كان يركّز على إدانة ذلك الفعل استناداً إلى جنس الضحيّة. وتكرر استعمال وصف «أشباه الرجال» مذيلاًً بتبرير أنّ من يصفع امرأة، إنمّا هو نصف رجل.


إلا أنّ الشيطان يكمن في التفاصيل. إنّ الشجب الواسع الذي طاول فعل النائب فتّوش من قبل الرأيّ العام على مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر الإعلام، كان طبيعياً وضرورياً، إذ يثبت أن كل اللبنانيين لم يسلّموا بالأمر الواقع، كما هو حاصل في استملاك وسرقة جميع المساحات العامة المتبقية في لبنان من الطبقة السياسيّة ذاتها الحاكمة للبلد، والممددة لذاتها غصباً عن كلّ اللبنانيين. كان لا بدّ لتلك الصفعة من أن تأتي في جسد تلك الموظفة المسكينة، كي يشعر بها عدد كبير من اللبنانيين في أجسادهم. لكنّ التركيز على جنس الضحيّة يعيدنا إلى المنطق الذكورّي نفسه الذي يسمح لتلك السلطة بأن تنفرد بالقرار وبالسلطة وبالحكم.

جزء كبير من تلك
الإدانة كان يركّز على جنس الضحيّة

تلك الذكورّية التي وقفت بشكل مباشر في وجه إصدار قوانين تحمي المرأة من العنف المنزلي. وعبر منطقها وهيكليّتها وسياستها، توالت على توارث السلطة في لبنان بجميع أشكالها الطائفيّة والقبليّة والعشائريّة والحزبيّة اللاديموقراطية، وما أنتجت من مصائب ولعنات حلّت بذلك البلد ومواطينه. أمّا إدانة فعلة فتّوش لأنّ ضحيّتها امرأة، ففيها مساواة لفعلة زميله الوزير جبران باسيل وتعليقه الذكوريّ المشين. وكلّ الخوف من أن يستحصل النائب فتّوش على تخفيف (من الرأي العام) يتخذ من التقاليد الذكوريّة المتخلفة في مجتمعنا عذراً له، كما حصل مع الوزير جبران باسيل، أو بالأحرى كما حصل مع جرائم قتل طاولت نساءً كثيرات من أزواجهن في لبنان. ما ارتكبه النائب نقولا فتوش، فعل مشين ومشجوب ومدان بكل معنى الكلمة، أكان قد طال امرأة أم رجلاً. وطبعاً، تبقى المسخرة الكبرى التي نعيشها، متجسّدة في تدخل المدعي العام والقاضي كلود كرم للصلحة بدلاًً من إحالة النائب على التحقيق. وهذا كلّه حصل في قصر العدل، حيث الجميع متساوون أمام القانون. إن كنّا ما زلنا كمواطنين لبنانيين محتفظين بأمل بناء وطن وبناء جمهوريّة ديموقراطيّة، فلا يجب أن نستكين قبل أن يقدّم النائب نقولا فتوش استقالته، ويعيد السلطة إلى الشعب الذي انتخبه، ويقدّم نفسه للمحاكمة. فعله إهانة بحقّ الإنسانيّة، والمواطن، والعدالة والجمهوريّة. نقولا فتّوش قدّم استقالتك، وانحنِِ تحت قوس العدل.