في عام 2007، تأسس «الصندوق العربي للثقافة والفنون ــ آفاق» بمبادرة من مجموعة من الناشطين في حقل الثقافة، وفق ما يقول المدير التنفيذي للمؤسسة أسامة الرفاعي. كان الهدف خلق مؤسسة تلبي حاجات الفنانين والمجتمع وتغطي نقص الدعم من الحكومات أو حتى غيرها من المؤسسات الخاصة. مصادر تمويل «آفاق» تأتي من جمعيات أجنبية وعربية تهمها الثقافة وبعض الشركات من خلال مفهوم المسؤولية الاجتماعية.

يقول الرفاعي: «لا نأخذ من مصادر حكومية كي نحتفظ باستقلاليتنا في طريقة عملنا.

نصف عمل «آفاق» هو دعم المشاريع الإبداعية، لكن القسم غير المرئي من عملنا هو تشجيع ثقافة الفيلانثروبية العربية التي تقوم على تعزيز الصلات بين الفنانين وصانعي الفن والمجتمع عبر زيادة عدد الأفراد الذين يهتمون بالثقافة ودعمها، فهنا تكمن قوة الدعم الثقافي في المستقبل المتوسط والبعيد. لذا في سنة 2014، أنشأنا برنامج تمويل للمبادرة والإبداع فريداً من نوعه. بإمكان أي شخص أن يشتري سهماً من «آفاق» مقابل ألف دولار وهدفنا جمع مليون دولار قبل انتهاء السنة الحالية. المال يذهب لتمويل مشاريع من «آفاق». الفكرة من مصطلح السهم هو تغيير فكرة الصدقة أو التبرع وإبدالها بمفهوم الاستثمار في الفن الذي يستفيد الفرد كما المجتمع كما الوطن من مردوده الثقافي. لغاية الآن، جمعنا حوالي ثلث المبلغ. كل أسماء الداعمين موجودة على الموقع الإلكتروني، وحوالي ستين شخصاً منهم يتبرعون للمرة الأولى. هذا ما سيمنحنا استمرارية على المدى طويل، والثقة بشفافية «آفاق» هي التي تشجع المانحين. نحن انطلقنا من ميزانية لا تتعدى 300 ألف سنوياً في بداية مشوارنا إلى الميزانية الحالية التي تتخطى المليوني دولار».
من جهتها، تقول مديرة البرامج السينمائية في المؤسسة ريما مسمار «بين 2007 و2010، لم تكن هناك هيكلية في «آفاق» كتلك الموجودة الآن. لكن حين انتقل المقر إلى بيروت، تغيرت الإدارة وجرى تقسيم المنح وتوزيعها بين المراحل كالتطوير والإنتاج والإنتاج النهائي. التمويل الذي تحصل عليه «آفاق» يتوزع بين الفئات المختلفة باستثناء برنامج الفيلم الوثائقي الذي كان في البداية بالتعاون مع مؤسسة «ساندانس»، والآن مع مؤسسة «فورد» التي أطلقت مبادرة «فقط أفلام» التي تدعم مشاريع تتناول العدالة الاجتماعية، لكننا في «آفاق»، وسعنا هذه الزاوية وشملنا كل المشاريع التي تتناول الحقائق السياسية والاجتماعية التي لا يخلو منها أي وثائقي عادة. وكل سنة، نقيم دورتين للوثائقي تدعم بين 10 افلام و15 فيلماً والمنح العامة للسينما تدعم بين 13 إلى 18 فيلماً». السؤال الذي قد يشغل أي صندوق تمويل في العالم العربي تحديداً: هل ندعم عدداً أقل من المشاريع بقيمة مادية أكبر أو عدد أكبر من المشاريع بقيمة مادية أقل؟ تعلّق مسمار: «نحن نستقبل من 250 إلى 300 مشروع سنوياً. هذا فقط بمنحة السينما العامة، بالإضافة إلى برنامج «آفاق» للفيلم الوثائقي ونسبة كبيرة من هذه المشاريع جيدة. إذا قررنا أن نعطي قيمة مالية كبيرة لعدد أقل، سنغلق الأبواب في وجه مشاريع تستحق فرصة، وخصوصاً لمخرجين جدد يبحثون عن مصدر تمويل عربي ولا سيما من «آفاق»، فالمؤسسة نجحت في إثبات شفافيتها في طريقة عملها وأصبحت لديها صدقية وهي أيضاً مغامرة في اختياراتها، لأنها لا تملك أجندات معينة في دعمها للمشاريع بخلاف البحث عن الابتكار والأصالة والتجديد في اللغة البصرية.

تركيز على الرواية المصورة أو الرقص المعاصر في العام المقبل

نحن ندعم أفلاماً غير تجارية ولسنا ضد المشاريع التي ترمي إلى تحقيق إيرادات وتخاطب جمهوراً واسعاً، لكن قد يخاطب الفيلم كل الفئات فيما يخلو من العمق السينمائي»، وعما إذا كان هذا النقص في مصادر التمويل والموارد في العالم العربي قد أسهم في تشجيع أنواع معينة من الإنتاج السينمائي كالفيديو أو الأفلام الوثائقية وتفضيلها على أنماط أخرى كالفيلم الروائي، تجيب مسمار أن الوثائقي حتماً كانت له الحصة الأكبر من الدعم المالي من خلال البرنامج الخاص الذي أطلقته «آفاق» عام 2009 وكان اسمه «برنامج الفيلم الوثائقي العربي» ودعم حوالى 45 مشروعاً. ثم بدأت التحولات في المنطقة العربية التي أعطت نفساً جديداً للإنتاج الوثائقي. أما عن تدني مستوى الابتكار في أغلب الأفلام الروائية العربية التي نراها عامة في الصالات، فذلك يعود بحسب مسمار إلى أزمة في التوزيع، فـ «هناك كمية كبيرة من الأفلام الروائية الجيدة التي تصدر في العالم العربي لكننا لا نشاهدها. صالات السينما والموزعون هم الذين يحتكرون السوق ولا يقدمون سوى أفلام من طينة واحدة».
في مجال الأدب والدعم، يشير أسامة الرفاعي إلى أنّه «في السنوات الستّ الأولى من تأسيس «آفاق»، استقبلنا ودعمنا مشاريع من جميع فئات الأدب. وللمساهمة في إرساء المنهجية لكتابة الرواية التي تكاد تكون غير موجودة في العالم العربي، نظمنا هذه السنة محترفاً لكتابة الرواية بالتعاون مع الكاتبة نجوى بركات. وهو يرافق المشاركين فيه خلال مراحل كتابة الرواية إلى حين إصدارها. أما من جهة الموسيقى، فبدأنا بدعمها عام 2007 على نحو متواضع عبر التركيز على الموسيقى الكلاسيكية، لكن في الفترة الأخيرة، كانت لدينا رغبة في التوجه أكثر صوب الشباب. دعمنا الراب والراي والهيب هوب ودعمنا مشاريع كثيرة في كل مراحل التطوير. كذلك، نظمنا ورشة عمل في «دار المصور» في بيروت للتصوير الوثائقي، وهذا مشروع جديد بدأ هذه السنة. اخترنا عشرة أشخاص من 8 بلدان عربية للتدرب على التصوير الوثائقي ضمن المشاريع التي اختاروها. وفي العام المقبل، قد نركز على الرواية المصورة أو الرقص المعاصر».
وعن تأثير الربيع العربي على توجه «آفاق»، وخصوصاً لناحية الإنتاج السينمائي، تجيب مسمار أنّه حين بدأت الثورات في العالم العربي، «كان الجزء الأكبر من المشاريع التي وصلتنا انفعالياً لا يتخذ مسافة مما يحدث. الحقيقة أن القرار الذي توصلنا إليه مع المحكمين أنه ليس لدينا اهتمام بمنح أي مشروع تمويل فقط لأنه يتحدث عن الثورة من دون سوية فنية، لكننا أيضاً فكرنا في أننا لا نستطيع أن نتجاهل ما يحدث، فبادرنا إلى خلق برنامج خاص شبيه بما فعلناه مع الفيلم الوثائقي المسمّى «تقاطعات». اشترطنا أن تؤخذ المشاريع في مرحلة التطوير المبكرة، وكان الهدف أن نجبر المخرج على أخذ مسافة معينة من عمله. واعتمدنا هذا العنوان العريض لأننا أمام تقاطع طرق لا نعرف إلى أين سيودي بنا. الأكيد أن كل هذه التحولات كرست مفهوم الإمكانية والتغيير بعد نصف قرن من الركود. لم نكن نريد فرض وجهة نظر معينة، بل خلق مبادرة تنتج مجموعة أفلام تبحث في هذه التحولات انطلاقاً من زوايا متعددة كماضي المنطقة أو فترة ما قبل الانفجار ولا توثق فقط ما يحدث في هذه اللحظة». وعما إذا كانت هذه التحولات قد أدخلت تغييرات على اللغة السينمائية، تردّ مسمار بأنّ ذلك «ليس واضحاً بعد بخلاف التأثيرات المباشرة كتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى عنصر سينمائي نراه في العديد من الأفلام، لكن لا يمكن اعتباره تغييراً جذرياً. التغيير السياسي والاجتماعي بدأ وستنتج عنه تغييرات أخرى بالطبع في السينما وبقية الفنون. هناك طاقة جديدة تتبلور حتى من خلال التفكير الاقتصادي في السينما عبر مفهوم العمل الجماعي، حيث الشباب يعملون معاً على مشاريعهم. كذلك مما شهدناه مباشرة بعد الثورة هو التعاون العربي - العربي على صعيد الإنتاج. نرى مثلاً منتجاً مصرياً يعمل مع منتج مغربي، لكن برغم ذلك، فالعملية تزداد صعوبة، فحتى لو أنتجت الأفلام بسرعة، لا تجد أمكنة للعرض. من النتائج المباشرة أيضاً ظهور الكثير من المخرجات النساء في الشق الوثائقي. على صعيد الكتابة الروائية الطويلة كذلك، هناك خروج ملحوظ عن تقاليد الكتابة الكلاسيكية، كأنما الفنان يعود ليصادر حقه بالتعبير بحرية من دون أن يتحول الفيلم إلى وعاء من التوضيحات والتنازلات إرضاء للمشاهد». وبالنسبة إلى إحدى الظواهر التي رأيناها في بعض الأفلام الوثائقية التي عرضت في «أسبوع آفاق السينمائي»، وهي انطلاق المخرج من سيرته الذاتية والعائلية ليروي سيرة الوطن من خلالها، فترى مسمار أنّ هذا يعبر عن موجة سائدة بين المخرجين الشباب، لا عن توجه «آفاق»، ونلحظها في العديد من الافلام الأخرى. وقد يكون لها العديد من التفسيرات. وتوضح: «في البدء هو رد فعل على الأفلام الوثائقية في العالم العربي التي كانت تميل عامة إلى تقديم الآراء والحقائق المجردة وإلغاء نظرة المخرج. الشق الثاني قد يعود إلى أننا نعيش في منطقة ليست فيها هيكلية ممنهجة لإنتاج الوثائقي. لذا قد يكون أسهل للمخرج أن ينطلق من تاريخه الشخصي، عوضاً من البحث في الأرشيف أو الأرقام أو الوثائق غير الموجودة».
ورش العمل عدة تقيمها «آفاق» وفق حاجة المشاريع وانطباع المحكمين في المؤسسة. وتوضح مسمار: «هذه السنة، أقمنا ورشة عمل للمونتاج بالتعاون مع جمعية «متروبوليس» من خلال برنامج «مواهب بيروت»، فمونتاج الوثائقي في العالم العربي يعوزه الإبداع. كذلك، أقمنا شراكة مع «مهرجان دبي السينمائي». وقد منحت أخيراً ورشة «النسخة الأخيرة في فينيسيا» جائزتين لمشروعين في مرحلة الإنتاج النهائية حائزين دعم «آفاق» هما «المجلس» ليحيى العبدالله من الأردن، و»خادمة لكل واحد» لماهر أبي سمرا من لبنان. كذلك نقوم بزيارات ميدانية إلى البلدان التي لا تصلنا الكثير من المشاريع منها كموريتانيا، السودان، والخليج والسعودية. ومن الأشياء التي نحس حالياً أنها تحتاج إلى دعم أو مبادرة من «آفاق»، التوزيع الذي هو موضوع شائك. قبلاً، كانت المشكلة الأساسية في الإنتاج، لكن الآن الأفلام تنتج لكن لا أحد يراها بسبب أزمة التوزيع. لذا، أقمنا «أسبوع آفاق السينمائي» في لبنان هذه السنة، وسنقيمه في مصر العام المقبل».
www.arabculturefund.org