تبدو تجارب «الراب» الجديدة في بلادنا محدودةً هذه الأيام. ويبدو أنّ طبيعة الأوضاع السياسية/ الاجتماعية تؤثّر بشكلٍ كبير في هذا النوع من الفنون، ما قلّص من عدد الحفلات (خلال العام الفائت، لم تقم أكثر من 10 حفلات راب على مستوى لبنان مثلاً). رغم كل هذه السوداوية والظروف المحبطة، يسبحُ واحدٌ من أفضل مؤدي الراب اللبنانيين عكس التيار، فيقرر إطلاق ألبومه الجديد «عشيري» داخل استديو «كتيبة خمسة» في ضاحية بيروت الجنوبية. هكذا، يطلق جعفر الطفار «عشيري» خلال أيام.


الفنان البقاعي الشاب الذي يسكن في بيروت، تعرفه الأوساط اللبنانية الـ «أندرغراوند» كثيراً. يعرفه كذلك أغلب عشاق الراب عربياً. إثر انطلاقته ضمن فرقة «الطفار» (مع زميله مروان سباط آنذاك)، عاد وانفرط عقد الفرقة، ليذهب كلٌ باتجاهه. وإذ أصر جعفر الطفار على إعادة التعاون مع مهندس انطلاقتهم كـ»الطفار» المؤلف الموسيقي «أسلوب»، كان رهانه صائباً. الموزع والمؤلف الموسيقي الفلسطيني يبدع بشكلٍ غير مسبوق مع الطافر القادم من الهرمل. يمكن ملاحظة أن «أسلوب» الذي أعطى كثيرين موسيقى للغناء، يعطي أفضل ما لديه حين يتعامل مع جعفر. هكذا، أتى عملهما معاً متجانساً بشكلٍ «صمغي» كما يقول كثيرون. يشير «أسلوب» (المقيم حالياً في فرنسا وقد أطلق ألبومه الخاص «عالحفة» ـ راجع «الأخبار» 26/8/2014)) إلى أنّ طبيعة جعفر «المحترفة» في الأداء، وقدراته العالية على الغناء تجعلان من السهولة عليهما العمل معاً. الإبداع مرتبط بمقدار ما يكون الطرفان قادرين على العمل معاً، وباحترافية، فإن أي خلل في التوازن سيجبر الطرف الآخر على التعب أكثر، «أما مع جعفر، فأنا لا أتعب كثيراً، أطلب منه تأدية شيءٍ معين، فيؤديه أحياناً بأكثر من طريقة وأكثر من أداء. هنا يصبح أمامي فرصة لانتقاء الأنسب والأكثر تناسقاً مع طبيعة الأغنية أو الموضوع المراد تأديته. من هنا كانت التعليقات أنني أعطي موسيقياً أفضل ما لدي لجعفر الطفار».

«باب الحارة»
يتحدث عن سوريا التي أنهكتها الجراح

أما جعفر، فيسر لـ «الأخبار» بأنّه أراد حقيقةً أن يجمع هذه الأغاني التي أطلقها في وقتٍ سابق فرادى ضمن ألبومٍ واحد وأعطاه اسماً مشابهاً له ولفكرة الطفار وبالتأكيد لطبيعة الأغاني: إنها العشيرة التي تربط جعفر بمن حوله من سكان منطقته (بعلبك وتحديداً الهرمل) وفي الوقت عينه إنه «العشير» أي الحبيب والعاشق والرفيق، فالكلمة بحد ذاتها تعني كل هؤلاء معاً. إنه رفيق السلاح، وقد يكون أيضاً الحبيبة والزوجة والأم، فالتعبير المزدوج ههنا يعطي الفكرة حقّها. اختيار مكان إطلاق الألبوم، هو نوعٌ من النوستالجيا، فـ «هنا عملنا «أسلوب» وأنا كثيراً حتى يتم إنتاج هذه الأغاني بهذه الطريقة. لذلك كان منطقياً أن أطلقه من استديو كتيبة خمسة».
كيف يرى جعفر الراب في الوطن العربي؟ إنّه السؤال الذي ينفر منه معظم مؤدي الراب، فيضحك مجيباً بلهجته البعلبكية: «أني شو معرفني، أنا زلمة على باب الله، أني بعمل اللي عليي، واللي بيحبوني وبيحبوا اللي بيعملوه الطفار الله يوجهلنا الخير؟». وإذ نقرأ الألبوم كاملاً، يمكننا ملاحظة أن طبيعة الأغنيات «اجتماعية» بحت، قريبة من الناس. كلامها يشبه الناس في أيٍ زقاق في الوطن العربي. يصر جعفر على لهجته الخاصة التي تشبه كل الآلام التي يعانيها يومياً، ويؤكد أنّ المشاكل الاجتماعية هي التي تقود إلى الحراك السياسي الذي قد لا يكون موفقاً في لحظةٍ ما، «هيدا الفقر هو كل البلى وأصله».
ماذا إذاً عن الأغنيات؟ يضم الألبوم ثماني مقطوعات/ أغنيات، تعاون جعفر في عدد منها مع شعراء ومؤدي راب معروفين في لبنان والوطن العربي. يشترك الناشط والمدون خضر سلامة للمرة الأولى قارئاً الشعر صوتياً. ويضم الألبوم أيضاً «يا بحر خذني معك» ذات الكلام القاسي الذي يروي علاقة الناس ببعضهم وعلاقتهم بالأرض والهجرة عنها ومنها. يطلق جعفر فكرته: «تيبس أرض السهل، نربى نحنا بعل، تقتلني وبدك تقنعني إنو إحنا أهل؟ يا بحر خدني معك، يا موج بيعدني». أما «بين الحاجز والموت» (مع مؤديي الراب «مقدسي» من القدس و«ساطي من الأردن»)، فهي تظهر جانباً مظلماً في علاقة الناس مع «الحاجز» سواء في فلسطين أو في أي دولةٍ عربية. يضحي الحاجز مرادفاً للموت أو كما يقول جعفر: «بين أرضنا وأرضكم حدود، عليها دورية ونحن بين الموت وبين حواجز عسكرية». في الإطار عينه، تأتي أغنية «باب الحارة» (مع «مولوتوف» من «كتيبة خمسة») المستعار اسمها من المسلسل السوري الشهير لتتحدث عن سوريا التي أنهكتها الأزمات والجراح، فتكون الجمل المباشرة الحزينة: «الموت بعدو يا ابن عمي أشرف من العار، لما الانسانية تموت تقبر عمرا الدار». نَفَس يظهر أيضاً في «تحت رحمة مدفعية» التي تؤرخ لـ»رجعنا ليوم لكانت فلتانة، سوريا بعد الحُكم العثماني، قالوا تجريبي لـ حرب تان، ودرب الجليل بتمرق من هونا».
في إطار الثورة نفسها، تأتي أغنية «حيّد عن الجيش» المأخوذة حرفياً من التراث الفلسطيني ويأتي الإيقاع الحديث الذي يقدمه جعفر ليكمل الصورة كما هي. في الأغنيات المنفردة، يظهر جعفر متألقاً كما في أغنية «تايه»: «نحن كل ما صارت حرب بنستشهد بقانا، هو اللي بقي تحت القصف متل اللي سافر عغانا؟» أو في أغنية «الهبو» التي تأخذ اسمها من نوع «الحشيش» اللبناني الأشهر: «واللي معو مال ليرة منه ما بتنال إلا لتعمله زبال وتنكش عنده بالمنكوش». في الختام، يرسم الطافر القانون الذي يسير عليه في أغنية «حكومات» الضابط الوحيد الذي يمسكه ويريده: «بدي ثورة تحمي شعب وتمحي اسرائيل، بدي ثورة تحمي شعب وتحمي إسرائيل».

الأغاني موجودة على موقع ساوندكلاود:
https://soundcloud.com/gaafar-touffar/ga3far

صفحة جعفر الطفار على الفايسبوك:
https://www.facebook.com/GaafarTouffar