تختزنُ سيرة جوليا بطرس (1968) قصصاً كثيرة. الفنانة الموهوبة صاحبة الصوت الجميل لديها أكثر من ذلك. لديها عقلٌ يوازي جمال صوتها وشكلها. كانت بدايات جوليا مع الموقف هو السلاح، واختيار «المقاومة» يوم لم يكن أحدٌ يختارها. كان رهاناً صائباً، نجحت معه. يوم غنت الشابة اليافعة (17 سنة) أغنية «غابت شمس الحق»، تحوّلت بين ليلةٍ وضحاها إلى نجمة حقيقية، يوم لم تكن هناك مواقع تواصل اجتماعي ولا فضائيات.


أسلوب «التوقيت المناسب» و»العمل المميز» أمر سيلازمها طوال مسيرتها.
ما يجهله كثيرون أنَّ «غابت شمس الحق» (عام 1985) لم تكن أغنية جوليا الأولى، ولا حتى الثانية، فهي كانت قد دخلت استديو الياس الرحباني وهي في الثانية عشرة من عمرها لتسجّل أغنية «إلى أمي» (بالفرنسية)، لتعود في الـ 14 من عمرها وتطلق (بالفرنسية أيضاً) ألبوم «إنّها الحياة» الذي لحنه وكتبه الياس الرحباني. من يراقب تطوّر جوليا المنهجي «غنائياً»، يلاحظ مجموعة نقاط بنت عليها «إمبراطورية جوليا» الفنية: أولاً: زياد بطرس صخرة جوليا وملحنها الخاص. لا يمكن أبداً إغفال دور الملحن الموهوب والشقيق والصديق ضمن مشروع جوليا الفني.
ثانياً، هناك اختيارات جوليا الفنية التي امتازت بذكاءٍ شديد منذ بداياتها، فقلما فشل «ألبومٌ» بكامله لجوليا. قد لا تأخذ بعض الأغاني حقّها لسببٍ أو لآخر، إنما لم يفشل أيّ مشروعٍ بكامله، وهو دليلٌ على «دقة» اختيارات وحنكة فنية في اختيار الكلمات. ثالثاً، يأتي الخط المقاوم.
اختارت جوليا المقاومة ودعمتها بكل ما أوتيت من صوتٍ وموهبة يومَ كانت المقاومة في «أضعف» حالاتها، فالأعوام 1982-1985 كانت قاسيةً للغاية على المقاومة.
يومها اختارت الشابة الجنوبية ذلك الطريق، ولم تحد عنه إلى يومنا الحالي مع تساقط معظم «رموز» الأغنية الوطنية والملتزمة تحت حجج ومسميات مختلفة. ذلك لم تفعله جوليا، وهو ما جعل جمهورها ملتزماً تجاهها ومصدقاً لها.
ورابعاً، تأتي مسألة إطلاق «ألبوم» كل سنتين أو أكثر (تقريباً)، فجوليا لا تهتم بالكمية مقارنةً بالنوعية. النوعية عندها تبدو إصراراً شديداً، هي تعرف بأن جمهورها المقاوم هو رافعتها، فأعطته ما يرغب، بالإضافة إلى لمستها الخاصة من خلال الاقتراب من صبغة البلوز/ الجاز الشرقيين من خلال أغانٍ عاطفية راقية كأغنية «لا بأحلامك».
لم تدخل جوليا الوسط الفني مطلقاً، لم تتعرض لأيٍ من مشاكله، حافظت على مسافتها الشخصية والخاصة بعيداً منه وقريبة منه في آنٍ واحد، تنجز ألبومها، تدخل الاستديو، تسجله، و»ستوب». والأهم أنّ جوليا أنثى في فنٍ يسيطر عليه «الذكور» أساساً، فقلما كانت هناك فناناتٌ «وطنيات» متخصصات في هذا النوع من الغناء (وإن غنّت جوليا أموراً أخرى)، ما جعلها ملكةً متوجةً في ذلك المجال بسهولة بالغة (رغم جهدها) لقلة المنافسة إن لم نقل انعدامها. أخيراً، تحبّ جوليا ما تفعله، لذلك تغنّي من قلبها وروحها وتؤمن بما تقوله بشدّة، ذلك يجعلها حين الغناء «تفرد» مساحات روحها للسامع وليس صوتها فحسب.

ألبوماتها

في عام 1985، أطلقت جوليا «غابت شمس الحق» (كلمات نبيل أبو عبدو وألحان زياد بطرس) ضمن ألبوم حمل العنوان نفسه. حصد الأخير نجاحاً، والأغنية التي صوّرت بطريقة الكليب (في استديو بالتأكيد آنذاك) جعلتها تتصدر معظم التلفزيونات في الوطن العربي، فضلاً عن الإذاعات التي كانت تفتقد لهذا النوع من الغناء وقتها وخصوصاً من صبية يانعة.


«غابت شمس
الحق» حوّلتها نجمة بين ليلةٍ وضحاها


يومها قالت «بأنَّ الشيء الوحيد الذي استطاعت فعله هو أن ترفع صوتها، لأن صوت شعبها لم يكن مسموعاً آنذاك». في عام 1987، عادت وأطلقت ألبومها الثاني بالعربية (الثالث اذا ما اعتبرنا ألبومها الأول بالفرنسية C›est la Vie) «وين مسافر». كان الأخير أقرب إلى شخصية جوليا، وقدمت فيه مجموعةً مميزة من الأغنيات، فـ «ثوار الأرض» و»حجار المنسيين» و»إليسا عادت» كانت تكملةً لأغانيها المقاومة التي ظهرت في الألبوم الأوّل، وإن دمغت الألبوم بأغنية حميمة للغاية هي «وين مسافر» (للشاعر رفيق روحانا) متحدثةً عن فكرة «الرحيل» عن الأوطان بحزن العاشقة ولغة المحزونة. عام 1991، قدّمت ألبوم «حكاية عتب» الذي تميّز بأغنية «قوة محبة» (كلمات رفيق روحانا) التي شكلت جزءاً من حصيلتها «المقاومة». كذلك، لا يمكن نسيان أغنية «منضل» (كلمات جهاد أبو خليل) التي لم تحز وقت إطلاق الألبوم الكثيرٍ من نجاح، ولكن قناة «الميادين» أعادت اكتشافها من خلال فيديو كليب قصير.
ألبومها الرابع كان ببساطة مميزاً وكعادتها ضربت وتراً حساساً، فقدمت «ربما» للشاعر الفلسطيني الكبير سميح القاسم، و«يا قصص» الأغنية التي حمل الألبوم اسمها، وصوّرتها أيضاً على طريقة الفيديو كليب من كلمات مرافقها الدائم شعرياً رفيق روحانا، و«وقف يا زمان» لإيليا أبو شديد (ألحان إحسان المنذر). ألبوماها اللاحقان «القرار» (1996) وشي غريب (1998) كانا ناجحين بالمفهوم الفنّي العام، وامتازا بأنّهما اقتربا كثيراً من «السامع» الذي يريد غناء مختلفاً عن المعتاد، فتميزت أغنيات مثل «أنا مش إلك»، للمسها فكرة الخيط الرفيع بين الحب والتملّك.
بعد ذلك، انطلقت لتقدّم ثلاثة أعمالٍ متوالية هي «بصراحة» (2001) الذي كان ناجحاً بكل المقاييس من خلال أغنيات «ضاربة» هي «ما عم افهم عربي»، «نحنا الثورة والغضب»، و«بصراحة» (الألبوم بكامله من كلمات نبيل أبوعبدو وألحان زياد بطرس)، وألبوم «لا بأحلامك» (2004) الذي اشتهرت منه أغنيتان هما عنوان الألبوم، و«انا بتنفس حرّية» (الكلمات والألحان كما الألبوم السابق)، وألبوم «تعودنا عليك» (2006) حيث مزجت أيضاً الوطني بالعاطفي كعادتها، لكنه يعتبر الأضعف بين ألبوماتها رغم وجود أغنية «أنا خوفي على ولادي» فيه.

عام 2006 كان قاسياً على لبنان، لكن جوليا عرفت إصدار واحدة من أهم أغانيها «أحبائي» (الشعر لغسان مطر) المستقاة أصلاً من كلام خطابات سماحة السيد حسن نصر الله إبان العدوان الصهيوني على لبنان. لم تكتفِ بجعل «أحبائي» علامةً فارقة، بل جعلت منها «مشروعاً» فقامت بإحياء حفلات عدة وقدمت ريع تلك الحفلات لشهداء الجيش والمقاومة. عاما 2011-2012 شهدا إطلاق ألبوميها «على ما يبدو» و»يوما ما»، فقدمت في الثاني أغنيتين ترافقتا مع بدايات الأزمة السورية هما «أطلق نيرانك» (الشاعر نبيل أبوعبدو) و»مقاوم» (للشاعر جواد نصر الله) فأصبحتا من عناوين المعركة هناك (كما كانت «احبائي» علامة من علامات نصر 2006).
أما ألبومها الأخير «حكاية وطن»، فيأتي كنوعٍ من الاستمرارية «المتقنة» التي تجيدها جوليا.
إبان عدوان غزّة الأخير، أطلقت أغنيتها الصرخة «الحق سلاحي» مساندةً الشعب الفلسطيني في غزّة، وقامت قناة «الميادين» ببروباغندا كبيرة حول الأغنية، ما أسهم في إطلاقها وإنجاحها بشكلٍ كبير فحظيت الأغنية كما صاحبتها بضجةٍ ما بعدها ضجة. ولا يمكن بالتأكيد ـ طالما أننا نحكي عن الألبوم- أن ننسى أغنية «أشرف إنسان» التي رجح كثيرون أنّها غنّتها لسماحة السيد حسن نصر الله وإن لم تنفِ أو تنكر هي ذلك أبداً.