تأتي رواية زينب حفني «سيقان ملتوية» (دار نوفل ـ هاشيت أنطون) نوعاً من تصوير العالم من منظور سعودية مهاجرة تعيش مع عائلتها في لندن. بأسلوب سلس وواضح، تتحدث الكاتبة السعودية عن الانتماء والرحيل عن الوطن والغربة من خلال عائلة سعودية تعيش في عاصمة الضباب منذ عقدين ونصف. تصف كيف أنّ أفراد هذة العائلة اصطدموا بحائط اسمه التقاليد والعادات خلال محاولة البحث عن وطن بديل. ابنة هذه العائلة التي تدعى «سارة»، رفضت أن تخضع لتقاليد بلدها الام بما فيه من قهر وظلم واجحاف بحق المرأة. وقد ترسخت قناعتها بعدما رأت بأم عينها ما تعرضت له قريباتها من ذل ومهانة على يد رجال من السلطة والعائلة.
في عيد ميلادها الثالث والعشرين، قرر أصدقاؤها وصديقاتها الاحتفال بها في «مرقص»، ما جعلها تعود في ساعة متأخرة، فأثارت حفيظة والدها الذي ضربها واتهمها بالفساد والانحلال. ذكّرته بأنها ليست بقاصر وأنّ بإمكانها استدعاء البوليس. تحت كل هذا الضغط، تخرج في الختام تاركةً رسالة واضحةً لعائلتها: «لا تبحثوا عني». هي كانت قبل أشهر قد تعرفت إلى شاب فلسطيني يعاني هو الآخر من انتماءٍ ممزق، فهو يعرف وطنه من خلال حكايا قهر وعذاب سمعها من والديه.

إنه ذلك الوطن المتخيل، بينما هو لم يكن على استعداد ليقف على الاطلال، فالوطن بالنسبة إليه هو العيش بسلام. مع ذلك، نجد المنزل الذي كان يقطنه وقد تركه له والده مصبوغاً بالتراث والهوية الفلسطينية. زياد الذي كان قد نفذ وصية والده بالحصول على الشهادة العالية لأنّ «سلاح الفلسطيني الوحيد هو العلم»، وجد أنّ «سارة» امرأة استثنائية، وروح تضيء طريقه. وبما أنّ دراسته كانت الفن، صنع لها تمثالاً من الصلصال على شكل فينوس ورفض أن يبيعه أو حتى يعرضه في مرسمه. أما سارة فتجد في طلب زياد الزواج منها سبيلاً حقيقياً للهروب من جحيم عائلتها وتقاليدها وعاداتها.
مرت الكاتبة مرور الكرام على الاحداث السياسية في الوطن العربي مثل شنق «صدام حسين»في أول أيام عيد الاضحى، وسقوط تمثاله. كما أشارت إلى الحرب الأهلية في لبنان، وذكرت 11 سبتمبر وسقوط برجي مركز التجارة العالمي، وتغير نظرة الغرب لكل ما هو عربي ومسلم وترجمة ذلك من خلال علاقات الحكومات الغربية بالعرب.


رواية عن الانتماء والهوية والعادات والغربة



ويظهر هذا في حوار يجري بين والد سارة وصديقه الصحافي البريطاني الذي يقول له: «نحن نحل مشاكلنا بطرق حضارية وأنتم تحلون مشاكلكم بطرق وحشية». يرد عليه والد سارة: «بعد عقدين من الزمن، تكافئني هذه البلاد التي عشت وتعلمت وعملت فيها بأن تنظر إلي على أنّني قد أكون ارهابياً أو متطرفاً»، فيرد صديقه: «مع ذلك، فما زلت متمسّكاً بهذا البلد وتفضل الحياة فيه على بلدك». إنه الحزن المزدوج الذي تطرقه الكاتبة: العربي الراغب بالحفاظ على مجتمعه وعاداته وتقاليده وبالتالي فردانيته لكنّه لا يرغب أيضاً في العودة إلى مجتمعه والانغماس فيه.
يأتي أسلوب الكاتبة شيقاً وإن كان يغلب عليه طابع السرد. مع ذلك، فإنّ الكاتبة لم تطوّر العلاقة بين «سارة» ووالدها، فهي تركت القارئ أمام أبٍ غامض تحول فجأة الى وحش لمجرد أنّ ابنته عادت متأخرة الى المنزل. أليس غريباً أيضاً أنّ قررت الفتاة من دون مقدمات أن تضرب العادات والتقاليد بعرض الحائط بسبب عيد ميلادها؟ حتى أنّ الرسالة التي تركتها لأهلها في النهاية (لا تبحثوا عني) هي وسيلة الكاتبة للقول بأنّها الطريقة الوحيدة لنبذ العادات والتقاليد البالية.