على ما يبدو، أقدم روبين وليامز (1951 ــ 2014) على الانتحار في بيته أوّل من أمس بعد 63 عاماً حافلاً. منذ الآن، أصبح العالم أكثر قتامةً وأقلّ قدرةً على الضحك. الصدمة الأولى تحيل على مفارقة مظلمة. الممثّل الذي أضحك الملايين لأكثر من ثلاثين عاماً، ربّما قرّر إنهاء حياته بعد سنوات من الاكتئاب والإدمان على الكوكايين والعقاقير والكحول. مفارقة أخرى أنّ آخر ما عُرض من أفلامه هذا العام The Angriest Man in Brooklyn يتحدّث عن هنري ألتمان الذي يسابق الوقت للتصالح مع حياته ومحيطه قبل الموت. وليامز، بدوره، لم يتمكّن من إنجاز كل مشاريعه قبل الرحيل المفاجئ.


ابن شيكاغو، تتلمذ على يد الروماني الفائز بالأوسكار جون هاوسمان في «مدرسة جوليارد» لبعض الوقت، متتبعاً خطى مثله الأعلى الممثل جوناثان وينترز (1925 ــ 2013)، قبل أن يحثّه هاوسمان على تقديم عروض الـ«ستاند أب كوميدي» وعدم إهدار وقته وموهبته في المدرسة. وبالفعل، بدأ وليامز مسيرة تمثيليةً حافلة. لفت الأنظار بموهبته الاستثنائية، فانتقل بسرعة إلى التلفزيون بطلاً للمسلسل الكوميدي «مورك وميندي» (1978 ــ 1982) الذي لاقى نجاحاً كبيراً. وليامز كان الخيار المثالي لدور «مورك» الآتي من الفضاء لدراسة كوكب الأرض وطباع البشر. الكاراكتير منحه مساحة اللعب التي ظلّ بارعاً في استغلالها حتى مع تقدّمه في السن. ظهر وليامز كأنّه شخصيات كرتونية عدّة في هيئة بشريّة مع قدرة فريدة على الارتجال والتنوّع، فمنحه روبرت ألتمان دور البحّار الشهير «باباي» (1980).
لكن من قال إنّ قدرات روبين وليامز محصورة في الكوميديا فقط؟ في The World According to Garp عام 1982 لجورج روي هيل، أظهر جانباً درامياً مختلفاً في مروحة مواهبه. شخصيات لا تُنسى خلّفها على الشاشة لاحقاً. عازف الساكسفون السوفييتي «إيفانوف» الذي يهاجر إلى نيويورك ليصطدم بالفروق الثقافية وأمراض المجتمع الأمريكي في Moscow on the Hudson عام 1984 لبول مازورسكي. أحد أبرز أداءاته كان في شريط باري ليفنسون Good Morning, Vietnam في 1987. مذيع ومعد في راديو الجيش الأميركي، يعايش حرب فيتنام بشخصيته المرحة عبر الأثير، ليصطدم بآلامها على الأرض. في 1991، وظّفه تيري غليام في The Fisher King في دور مشرّد غير متّزن عقلياً بقلب طيّب وماض مؤلم، ما جعله يظهر وجهاً جديداً من الطيبة والجنون.
في الحدّ الفاصل بين الهزل والجد، كان روبين وليامز ملكاً في التحليق والخلق، ودفع المشاهد إلى الضحك والبكاء على حاله وواقعه أولاً، ثمّ التفكير في هذا الواقع والحياة عموماً. كان يسخر حتى من اللعبة السياسيّة الأميركية. دور النمر المحتجز في قفص الذي أدّاه في مسرحية «النمر البنغالي في حديقة حيوان بغداد» (2009) يصوّب سهاماً مباشرةً على حقبة جورج بوش الابن، وقرار الحرب على العراق، متسائلاً بسخرية: أين أسلحة الدمار الشامل العراقية؟
حسّه الأبوي الدافئ أهّله بجدارة لأداء شخصيات حسّاسة تتطلّب التعاطف والشعور بالآخرين، كما أستاذ اللغة الإنكليزية جون كيتنغ في Dead Poets Society (1989) لبيتر وير، والبروفسور شين ماغواير في شريط غاس فان سانت Good Will Hunting (1997)، الذي نال عنه أوسكار أفضل ممثّل مساعد. برع أيضاً في دور الطبيب المعالج الذي يتجاوز القواعد من أجل مرضاه في Awakenings (1990) لبيني مارشال وPatch Adams (1998) لتوم شايداك.
في فلك الأدوار الإيجابيّة المحبّبة، قدّم وليامز عدداً من الأفلام العائلية التي لاقت نجاحاً لافتاً مثل Jumanji (1995) لجو جونستون وMrs. Doubtfire (1993) لكريس كولوموبس، الذي جعله أحد أنجح الممثلين أداءً لدور نسائي، من خلال رجل ينتحل شخصية مربيّة ليبقى قريباً من عائلته. صوته عالم متنوّع بحدّ ذاته في أفلام الأنيمشن. مارد المصباح (الجنّي) في Aladdin (1992) مثال صارخ على ذلك.
النوستالجيا والتعلّق بماض ما (زوجة على الأغلب) حاضران في كثير من أدواره. كان مغلّفاً بالحزن من دون أن يظهر صراحةً. فضّل تسخير ذلك في التهكّم وبعض الأدوار السوداوية التي أداها. وقوفه أمام آل باتشينو في شريط كريستوفر نولان Insomnia (2002) لا يُنسى. كذلك دوره في العام نفسه كعامل مهووس في استديو لتحميض الصور في One Hour Photo لمارك رومانيك. نعم، كان وليامز شخصية شكسبيريّة في جانبه التراجيدي، مثل هاملت، ولكن على هيئة مهرّج حزين. وليزيد الأمر سوءاً، اتجه إلى الإدمان وعانى معه كثيراً. قال عنه آل باتشينو يوماً: «... ثم تمكّنت من العمل مع روبين وليامز. كانت تجربة رائعة لأنّه، بالنسبة إلي، بطل أحاول تقليده في أي أمر. الغريب أنّ الفيلم الوحيد الذي جمعنا لم يكن مضحكاً. إنّه مثل بالنسبة إلي».




حزن النجوم

رحيل روبين وليامز المباغت أثار ردود فعل واسعة، وخصوصاً على السوشال ميديا. الرئيس الأميركي باراك أوباما كان في المقدّمة، فوصف الراحل بأنّه «فريد من نوعه». شريكه في عرض «في انتظار غودو» (1988) ستيف مارتن نعاه قائلاً: «لا يمكن أن أكون أكثر صدمةً وذهولاً. رجل نزيه، وموهبة عظيمة...». زميله في «ليلة في المتحف» بين ستيلر علّق: «لا يمكن لتغريدة أن تصف سعة قلب وكبر روح وموهبة روبين وليامز. هذا خبر حزين جدا». كونان أوبراين قطع حلقة من برنامجه لإعلان الأمر، معتذراً من الحضور على «الخبر الصادم والمروّع والمزعج على كل المستويات». زميلته إيلين دي جينيريس كتبت: «لا أستطيع تصديق الخبر عن روبين وليامز. قدّم كثيراً لكثير من الناس. أنا مفطورة القلب». الممثّل ستيف كاريل كان مقتضباً: «روبين وليامز جعل العالم أفضل قليلاً. ليرقد بسلام»، أما زميله الشاب الفائز بالأوسكار جارد ليتو، فغرّد بدوره: «شكراً للجميل الشجاع روبين وليامز. علّمتنا المواجهة دون خوف لنتألق». كذلك، حكت جيسيكا شاستاين عن تجربتها معه: «روبين وليامز غيّر حياتي. كان ممثّلاً عظيماً وشخصاً كريماً. خلال فترة الدراسة ساعدني على التخرّج. كرمه سيلهمني دائماً لدعم الآخرين كما فعل معي. سنفتقده إلى الأبد».