القاهرة | قبل خمس سنوات فقط، قرر الشاب خالد لطفي خريج «المعهد العالي للعلوم الادارية» في القاهرة وضع طاولة للكتب الجديدة في «ساقية الصاوي»، التي يرتادها أقرانه من الشباب، واختار أن يؤجر هذه الطاولة مقابل نسبة من المبيعات يحصّلها المكان. ثم واصل التجربة نفسها في منتديات ومؤتمرات ثقافية كثيرة، اقترح عليه روادها بعدها أن يؤسس مكتبة لبيع هذه النوعية النادرة من الكتب، لكن لطفي المفتقر الى رأس مال كبير لم يتحمس للفكرة، وقرر أن يستورد بعض الكتب لحسابه بدلاً من التعامل مع وسيط، وتحصيل نسبة من المبيعات، واختار أن يكون هو «الوسيط» الجديد بين الناشر العربي والمكتبات الكبرى، التي تتولى بيع وتوزيع الكتب التي لا يراها القارئ الا في «معرض القاهرة للكتاب».


واليوم يصعب على المتجول في وسط القاهرة أن يتفادى الأثر الذي خلقته مكتبة «تنمية» الواقعة في «شارع هدى شعراوي»، ونجاح أصحابها في التفاعل مع المثقفين والفنانين من أجيال مختلفة، بعدما حقق خالد لطفي حلمه بافتتاح المكتبة التي أصبحت اليوم قبلة للجميع قراء وموزعين وناشرين.
يعتمد لطفي على شقيقه الاصغر محمود في اختيار الكتب، وهو قارئ نهم للروايات والمجموعات القصصية. وفي العادة، يبدأ يومه بمطالعة الصفحات الثقافية في الصحف العربية كلها، لمعرفة الجديد في سوق النشر. ومن خلال هذه المراجعات، يضع قائمته التي يطلبها من الكتب ويعرضها على رواد المكتبة.
لا يرى خالد لطفي أنّه يمتلك وصفة للنجاح، مشيراً إلى ان المصادفة وحدها صنعت تجربته ويقول: «في عام 2001، بدأتُ موظفاً في واحدة من الشركات التي تعمل في استيراد الكتب. وبعد عشر سنوات من العمل، راكمت من الخبرة ما يسمح لي باتخاذ قرار الاستقلال. بدأت العمل منفرداً في شراء الكتب واستيرادها، ثم عرضها في المنتديات الثقافية العامة. خلال تلك التجربة، كوّنت قائمة بالعملاء الذين كانوا يطلبون مني الكتب مباشرة مقابل عمولة، وشملت تلك القائمة قراء وأصحاب مكتبات. وقبل ثلاث سنوات فقط، بدأت البحث عن مقر صغير في وسط البلد، وكان طموحي غرفة وحيدة تصلح مخزنا، لكن الاقدار هيأت لي فرصة اختيار هذه النقطة الساحرة في قلب القاهرة».


راهنت على الكتاب المترجم الذي تفتقر اليه المكتبات المصرية


تقع مكتبة «تنمية» في شارع هدى شعراوي على بعد خطوات قليلة من المقاهي التي يرتادها المثقفون، فإلى جواره تقع مقاهي«زهرة البستان» و«الحرية» و«ريش» و«الندوة الثقافية» و«بارستلا» و مقهى «باب الورد» الذي بات مقراً للسوريين المقيمين في القاهرة، إضافة الى قربه من مطعم «فلفلة» السياحي، الذي يرتاده اغلب السياح العرب والاجانب. وبفضل هذا المكان أصبحت «تنمية» نقطة يصعب تفاديها.
يضحك وهو يشير الى أنه حين وجد المكان، كان سعر الايجار يفوق قدراته بنحو عشرة أضعاف المبلغ الذي كان يجهزه كإيجار شهري. ومع ذلك قبل المغامرة إلى النهاية، ولم يكن لديه ما يسمح له بدهان جدران المكان أو تجهيز واجهة زجاجية جديدة لعرض الكتب. ومع توافد المزيد من الرواد من قراء أفراد أو موزعي الجملة، غامر لطفي مجددا ًبالسفر الى بيروت والتواصل مباشرة مع دور نشر مثل «الآداب» و«الجمل» و«المركز الثقافي العربي» و«الساقي» و«التنوير» و«المدى»، ثم خاض التحدي الأكبر بالمشاركة في الدورة السابقة من «معرض القاهرة للكتاب» بـ «هنغار» مستقل ناطح فيه كبار ناشري الكتب العربية وموزعيها. ولفت نظر الجميع بنجاحه في جمع مختلف منشورات دور النشر العربية في مكان واحد، إلى درجة أنّ بعض المنافسين عدّوا المكتبة واجهة لتبييض الاموال أو قناعاً لإخفاء أسماء ملاك آخرين، وهو ما ينفيه لطفي، ويشير الى أنّه يتعامل مع الجميع مباشرة وكل المعاملات التجارية باسمه.
يفخر لطفي الذي لم يصل بعد الى عامه الاربعين بأنه يعمل تحت شعار «جمد قلبك». وبفضل هذا الشعار، بات اليوم «أكبر مستورد للكتب العربية في مصر». مع ذلك، يقول «لست صاحب وصفة في النجاح».
يعرف المتعامل مع «تنمية» أنّ الأخ الأصغر محمود هو الشاب الذي يتولى اعداد المائدة لقرائه، ويتولى مهمة تقديم اقتراحات. درس محمود الحقوق، وهو قارئ نهم للروايات، ويستطيع بخبرة نادرة أن يحدد أفق التوزيع لأي كتاب. وبفضل خبرة القارئ، بات مصدراً لثقة العملاء وبوصلة يعتمد عليها شقيقه الأكبر في تحديد وجهته، فهو لا يبيع كتاباً من دون أن تكون لديه انطباعات حوله، سواء كان مصدرها الخبرة المباشرة أو المعلومات التي يحصل عليها من الإنترنت. لذلك، باتت قائمته معتمدة لدى كتاب ومثقفين بوزن علاء الديب، ومحمد المخزنجي، وجمال الغيطاني، وسعيد الكفراوي وعزت القمحاوي، ويعتمدون على اختياراته ومتابعاته بصورة كاملة. وبخلاف الاعتماد على حُسن المتابعة، يرى خالد أنّ الجانب الأهم الذي يفسر نجاح تجربته يعود الى «الصدقية والشفافية والتعامل الجيد مع الجميع. وعلى صعيد التعاملات المالية، لستُ مديناً لأي ناشر بدولار واحد وأسدد المستحقات وفق آلية معروفة. لذلك اكتسبت ثقة الجميع».
راهنت «تنمية» على الكتاب المترجم أساساً الذي تفتقر اليه المكتبات المصرية، الى جانب اشتغالها على الأدب العربي المنتج خارج مصر. لكنّ صاحبها يصر على التعامل مع الترجمة التي نُشر بمعايير تحترم الملكية الفكرية، و«لا نعمل في الكتاب المزور أو الكتب المقرصنة». وعلى الرغم من وجود المكتبة قرب العديد من بسطات الكتب التي تروّج للأعمال المزورة التي تباع بأسعار رخيصة مقارنة بأسعار المكتبة، لا يخشى لطفي المنافسة، مؤكداً أنّ مكتبته هي التي تصنع بورصة الكتب، وقوائمها معتمدة لدى المزور لأنّ نجاحه في الترويج لكتاب معين يدفع المزورين الى البحث عن الكتاب، ما يعني أنه هو من يربح أولاً. من ناحية أخرى، يقول: «لديّ عميل لا يبحث عن الكتاب الأدبي المزور، ويأتي إلى مكتبتي لأنّ ذائقته تقوده إلى كتب أخرى ثقيلة يندر وجودها على بسطات الكتب، فأنا لا انشغل بالكتب الأكثر مبيعاً ولا أروج «لموَض» أدبية، بل على العكس، اشتغل في الكتاب الثقيل فكرياً على قاعدة «ده بشيل ده». الربح الاتي من الكتب الاكثر مبيعاً يساعد على تحمل بطء دورة بيع الكتاب الثقيل فكرياً».
ويضرب مثالاً بنجاحه في توزيع كتب مشروع «كلمة»، ويقول: «كانت كتب المشروع توزع من خلال مؤسسة صحافية كبرى، لكنها لم تخلق زبونها الا من خلال «تنمية» برغم ارتفاع أثمانها واعتمادنا في بيعها على البيع الفردي لا مبيعات الجملة».




تعاون مع «الآداب»

ينفي خالد لطفي ما يشاع عن توجهه للنشر في المستقبل لأسباب عدة، أهمّها أنّ المكسب الحقيقي من الكتب يأتي من التوزيع، والمغامرة فيه محدودة، على عكس النشر الذي يعدّ مهمة مرهقة، لكنه يشير الى نجاحه في إقناع «دار الآداب» البيروتية في وضع العلامة التجارية لـ «تنمية» على بعض أعمالها لبيعها في مصر كصيغة لانتاج مشترك، وهي خطوة يصفها بـ «النوعية». كذلك، يقوم لطفي بالتوسع في التعامل مع موزعين للكتب في مختلف أقاليم مصر، وهي مغامرة لا بد منها «لكسر مركزية العاصمة».