ليس من قبيل الصدفة أن يذكّرنا بول أوستر (1947) عند أحد منعطفات رواية «حماقات بروكلين» (2005) بقصة عن كافكا جديرة بالتوقف عندها وتأملها طويلاً. مفاد هذه القصة أنّه قبيل رحيله عن عالمنا، كان كافكا يقيم في برلين مع حبيبته. وذات يوم، مضى للتنزه في الحديقة القريبة، فالتقى طفلة صغيرة تبكي لأنها فقدت دميتها. من دون تردد، قال لها إنّ الدمية لم تفقد، بل هي مسافرة، وأضاف إنّه يعرف ذلك معرفة يقينية لأنّ الدمية كتبت له رسالة تصف فيها رحلاتها، ووعد الطفلة بإحضار الرسالة لها.


وعلى امتداد ثلاثة أسابيع، دأب كافكا يومياً على أن يحضر للطفلة رسالة جديدة كان قد أمضى الليلة السابقة في كتابتها، إلى أن وصل بها الأمر أنها لم تعد تذكر لماذا هي حزينة في المقام الأول. «لقد أصبحت لديها قصة، وعندما يكون شخص ما محظوظاً بما فيه الكفاية بحيث يعيش داخل قصة، تختفي آلام هذا العالم». ربما لهذا بالضبط، عشاق كافكا هم في الغالب من محبّي أعمال أوستر. ومن المؤكد أنهم يجدون في قصصه ما يحرّك عقارب السائد عكس اتجاهها. مبرر وجود الرواية عنده هو «اكتشاف ما يمكن للرواية وحدها دون سواها أن تكتشفه»، بمنطقها الخاص، بطريقتها الخاصة، تفكك الحياة بكل تعقيداتها وألغازها الأبدية وتعلن هشاشتها، تتسلل إلى ذاكرة القارئ وتنشئ بينه وبينها تواطؤاً يستلزم في الدرجة الأولى زفرات من التنفس الطويل لملاحقة ما ستؤول إليه بدلاً من استعجالها، لأنّ كل تفصيل يكشف عن المزيد من خفايا النفس وما تحمله الشخوص من نزوات وانطباعات باردة ونزقة عن العالم. يمكن القول إنّ اللغة شديدة التأني، متقطعة، تشبه الوطء الحذر على الثلج. تُحيل القارئ إلى متلصص أو كائن يقف على عتبة أحداث وفضاءات سردية تتفرع لتلامس أكثر من وجهة إنسانية. يشيّد أوستر عالماً روائياً يتحدى محاولة الإحاطة والتصنيف، على الرغم من وصف النقاد له بأنه «متراص جداً، وملتفٌ على نفسه بإحكام؛ كائن حي صغير وغريب من الأجزاء المتشابكة». إنه لمن الصعب تخيل أنّ روايته الأولى «مدينة الزجاج» (1985) رفضتها سبع عشرة دار نشر أميركية. والآن، بعد عشرين عاماً، تتم ترجمة كتبه الكثيرة إلى ثلاثين لغة.


استلهم التلاعب بالزمن
وتنظيمه من «مذكرات من وراء القبر» لشاتوبريان


الهاجس المشترك بين جميع كتابات أوستر هو شعوره بأنّ كل شيء يحدث بسرعة فائقة لا يستطيع أن يجاريها، وإن لم يسرع في تدوينه سوف يختفي. وهو ما فسره أيضاً على لسان آنا بلوم في روايته «في بلاد الأشياء الأخيرة» (1987): «ليس الأمر مجرد اختفاء أشياء، ولكن ما إن تتدارى حتى تتوارى ذكراها أيضاً. تتشكل مساحات قاتمة في الدماغ، وإذا لم تبذل جهداً مستمرّاً لاستدعاء الأشياء التي اختفت، فإنها ستضمحل سريعاً وكلياً من ذاكرتك». كي يصبح أكثر مناعة من غيره ضد هذا «المرض»، يختار أن يوغل في الماضي، يقلّب تفاصيله بلا هوادة. بعد مذكراته الثلاث الشهيرة «اختراع العزلة» (1982)، «الدفتر الأحمر» (1995)، «الشيطان من ذنبه»، أكمل مشروعه الأدبي في الكتابة الذاتية عبر عمل جديد بعنوان «يوميات شتوية» (2012). تلاه جزء ثان «تقرير من الداخل» (2013) صدرت نسخته الفرنسية أخيراً عن دار «أكت سود» بترجمة تستحق الإشادة لبيار فورلان. يصف أوستر هذا الكتاب بأنّه عمل إبداعي يتألف من شذرات من سيرة يُلملمها لتغدو متناغمة مثل قطعة موسيقية. ويوضح أنّه لم يهتمّ بنفسه فقط في هذا العمل، ولم يحاول أن يروي تجربته بقدر ما أراد أن يحكي «تجربة أن تكون في هذه الحياة» لأن ما تكتبه استناداً الى تجاربك الخاصة، وذكرياتك المؤلمة والسعيدة في مكان ما، يسافر الى بلد آخر وإلى مكان آخر، فيكلّم الناس عن حياتهم هم. هذه هي معجزة الأدب. هي لا تحدث معظم الوقت، لكن عندما تحدث، يبدو أنّها تبرّر هذه الصناعة بأكملها. الأمر بمثابة وضع رسالة في قنينة ورميها في المحيط، وربما يعثر عليها أحد ما، ألم يقل آلان دو بوتون إنّ «الكتاب الجيد هو الذي يتركك تتساءل: كيف عرف المؤلف ذلك عني؟».
وإذا كان الكتاب الأول يدور حول «الجسد باعتباره جدولاً من البيانات الحسيّة، يمكن أن نسمّيه فينومينولوجيا التنفُّس» ويستعرض بدقة عالية الحوادث والندوب والاكتشافات الجنسية، والمنازل التي أقام فيها المؤلف، فإن الجزء الثاني لا يعرض ولا يصف بقدر ما يبدع في أخذنا من مكاننا ليضعنا في الصورة شهوداً ومراقبين ومتابعين لتطور الحياة الفكرية والروحية للأنا الملتصقة بحاجاتها، والمعرّضة للتشرذم والهذيان والصدمات غير المتوقعة. صحيح أن النبرة الفردية لا تنوي تأجيج إشكاليات «القضية الكبرى» في الحب والحرب والعبودية ونمط الحياة، أو استهلاكها، لكن كل ذلك يأتي موزعاً كفتات بين ثنايا العمل. نستكشف تطور أميركا إبان الحرب العالمية الثانية والاضطرابات الاجتماعية في الستينيات. التلاعب بالزمن وتنظيمه، استلهمهما أوستر من «مذكرات من وراء القبر» لشاتوبريان، حيث نجد حكايات مزدوجة يمتزج فيها الحاضر بالماضي من خلال سلطة الحدث نفسه. وهذا ما يرفع العمل إلى قيمة تتعلق بالخلق وخصوبة المخيلة ونضارتها عوضاً عن حشره في مربع الوثيقة التاريخية. عبر 368 صفحة، نتابع تحولات بول الصغير المتقد حماسة وديناميكية بصورة بطيئة نسبياً، لكنها حاسمة وراسخة. في الفصل الأول «المنطقة الداخلية»، سيتمدد وعيه الخاص، أو منطقه المتعلق بالحياة بكل روافدها الاجتماعية (مقاربته لمفهوم الأخلاق حين اتهم زوراً بالكذب أو موقفه من توماس أديسون الذي طرد والده بعد يومين من العمل لأنه يهودي). الفصل الثاني «ضربتان على الرأس»، سيكون مترامياً وتفصيلياً، يستعيد الأفلام التي أحبها في طفولته، ومنها «طريد العدالة» لميرفين لوروا (1932) الذي كان سبباً في علاقته الإشكالية مع المجتمع الأميركي «المهيأ أكثر من غيره للتحول إلى شركة بشرية عملاقة». للكتاب أكثر من مدخل، فقد عمد أوستر إلى إرفاق ما يفوق المئة صورة بالأبيض والأسود، وأضاف عناصر شكلية تسعفه على احتواء التشظيات والتفريعات السردية. نجده يدرج هوامش لتفصيل حادثة أو يربطها برسائل كانت موجهة إلى زوجته الأولى ليديا ديفيس. وقد حصل على نسخة منها حين كانت ليديا تنوي إعطاءها لمكتبه أبحاث. هذه الرسائل التي تشكّل الجزء الثالث «كبسولة الزمن» من الكتاب لا تفرط بالمفصلية التاريخية التي شكلتها التظاهرات الطلابية في «جامعة كولومبيا» (1968) وتضعنا في أجواء حرب فيتنام وحمى التجنيد. ويُختم الكتاب برسالة طويلة تسرد أحداث نزهة في مدينة نيويورك يتعرض أثناءها أوستر لمغامرات «بيكاريسكية» تصلح أن تكون نواة قراءة لثلاثيته. اعتماد صيغة المخاطب بمثابة نقطة القوة في هذا العمل لما تحمله من قدرة على إشراك القارئ وشدّه نحو ذكرياته الشخصية، فيما يلاحق بأنفاس متقطعة ابن الست سنوات المزهوّ بقدرته على ربط حذائه بمفرده يتحول إلى كاتب تواجهه حقيقة أنّ الحياة كلها طارئة حين يقف أمام مرآة الحمام ليحلق ذقنه. ويتذكر ما قاله كويتزي: «أن تشيخ، ما أغربه من أمر يحدث لطفل صغير».



الرؤية الأوسترية: انصرام الزمن وانسيابه وتآكله

حين يُسأل بول أوستر عن اهتمامه بالأدب، يقول إنه بدأ بعد سنة من إدراكه أنه لن يصبح لاعب بيسبول محترفاً. ولو لم يكتب إلا «ثلاثية نيويورك» (1987) التي تضم روايات «مدينة الزجاج» و«الأشباح» و«الغرفة الموصدة» لكان ذلك كافياً ليخلد اسمه في عالم الأدب.
لكن «اللهجة» الخاصة التي ميّزته في بداياته، أفصحت لاحقاً عن تدرّجات وأطياف عديدة، فقدّم للقراء 15 رواية ونتاجاً غزيراً في سيرة الحياة الذاتية وسيناريوات الأفلام. لا ننسى ترجمته لسارتر، وجوبير، وباتاي والرسائل الممتعة التي تبادلها مع جون ماكسويل كويتزي (الصورة)، حيث ناقش الروائيان مواضيع مثل: الصداقة، الرياضة، الحياة مع الكتابة، صموئيل بيكيت، الحرف «كاف»، إسرائيل، المقالات الخبيثة، الشيخوخة، المثالية وغيرها الكثير. في إحدى هذه الرسائل، يشرح أوستر كيف يخفق بشكل غامض في أن يعيش في الحاضر «غالباً ما كنت أفكّر في الرواية التالية، فيما أنا عاكف على تأليف كتاب». تضعنا هذه الجملة في قلب الرؤية الأوسترية المعنية بانصرام الزمن وانسيابه وتآكله.