بغداد | تجربة أنور الحمداني في فضائية «البغدادية» لم تكن مجرّد محطة تقليدية على الساحة المحلية بعد كل هذا الجدل الذي أثاره حضوره. لم تكن الشتائم التي لحقته على مواقع التواصل الاجتماعي إلا دليلاً على الطبيعة النقدية الحادة لبرنامجه اليومي «ستوديو التاسعة».
بعد أحداث الموصل الأخيرة، صدر قرار حكومي بإغلاق «البغدادية»، وقبلها مذكرة إلقاء قبض بحق مقدّم البرامج العراقي، بينما تُركت فضائيات عدّة تحرّض على العنف والإرهاب. لكن يبدو أنّ صفحة أنور الحمداني الإعلامية لم يطوِها هذان الإجراءان، إذ كثّف الحمداني من ظهوره على الفضائيات المحليّة والعربيّة، كأنّه صاحب دور أكبر من مجرّد مذيع توقفت فضائيته عن البث من القاهرة (على القمر «نايل سات»).
راح ساعة يوجه خطاباً للشعب العراقيّ، وساعة نداءات إلى الزعماء السياسيّين لضرورة اختيار مرشّح جديد لرئاسة الوزراء في العراق. مرّت رحلة الحمداني في «البغدادية» بالكثير من التأزّم والسجالات، إلى درجة أن كتلاً سياسيّة عراقيّة دفعت إلى منع أعضائها من الظهور في البرنامج، فيما دفعت كتل أخرى بأعضاء مؤثّرين فيها للظهور بهدف النيل من المقدّم أمام المشاهدين.

منذ انطلاقته عام 2012، لم يحافظ «ستوديو التاسعة» على مسار واحد. ظهر في حلقاته الأولى ضيوف من كتل شتّى، ولم يفرض السياسيون أي خطوط حمراء عليه. غير أنّ التبدّل الكبير تجاه الحمداني بدأ لدى فتحه ملفات الفساد والغوص في أسباب التردي الأمنيّ في البلاد. لا شك في أنّ هذه المسائل أشعرت ائتلاف «دولة القانون» بأنّه المستهدف، لأنّه قاد الحكومة في فترة بثّ البرنامج، كما أنّ رئيسه نوري المالكي هو رئيس السلطة التنفيذيّة لدورتين متتاليتين.


مذكرة توقيف
بحقه بسبب برنامجه «ستوديو التاسعة»


على مدى 20 دقيقة، يستعرض البرنامج بصوت مقدّمه أحوال البلاد وأبرز الأحداث السياسية والأمنية، ثمّ يأتي دور الضيف الذي ترتبط هويّته بالتطوّرات الحاصلة. حظي «ستوديو التاسعة» بجماهيريّة واسعة حتى في أوساط كارهي الحمداني، الذين كانوا يذكّرونه بماضيه يوم كان مقدّم برامج في فضائية «العراق» أيّام نظام صدام حسين.
لذا، وجد الرجل نفسه مضطراً للاستمرار بنهجه النقدي، وخصوصاً بعد امتناع ساسة «دولة القانون» عن المشاركة في برنامجه. هكذا، كانت الحصّة الأكبر من الحضور والمواجهة الإعلاميّة من نصيب ممثّلي «التيار الصدري» (بزعامة مقتدى الصدر)، ما أفسح المجال لحلقات توجّه نقداً لاذعاً لسياسات «دولة القانون»، وعرض ملفات لم يُكلف المتهمون بها أنفسهم عناء الدفاع عنها.
ولمّا منع ائتلاف «المواطن» (بزعامة عمار الحكيم) ممثّليه من الظهور في البرنامج أيضاً، خلت الساحة أمام شخصيات «التيار الصدري»، ما رسّخ لدى مؤيدي «دولة القانون» فكرة أنّ البرنامج لم يعد حيادياً في طرحه للتنافس الحاد والمناكفات بين الصدريّين وائتلاف المالكي، فضلاً عن حضور قادة ائتلاف «العراقيّة» (بزعامة إياد علاوي) في «ستوديو التاسعة» ضمن سياق انتقاد
الحكومة.
ومع هذا المستجد في شكل «ستوديو التاسعة» وتصاعد وتيرة الانتقادات للأداء الحكومي وفتح الكثير من الملفات المتعلّقة بعقود الاستثمار وصفقات شراء الأسلحة، واجه أنور الحمداني حملة غير مسبوقة من التنكيل والنبش في الماضي. حملة تضمنت عرض صوره وهو يرتدي اللباس العسكري (الزيتوني) أيّام كان يعمل في إعلام النظام السابق. حاول الإعلامي الرد من خلال برنامجه، مشيراً إلى وجود «بعثيّين اليوم في مناصب حكومية واستشارية رفيعة».
التحوّل الأكثر إثارة للجدل في البرنامج تمثّل في إدخال فقرات ساخرة عليه. فقرات ينوّه مراقبون بأنّها جاءت تأثّراً بتجربة الإعلامي المصري الساخر باسم يوسف في برنامج «البرنامج»، نظراً إلى استشهاد الحمداني بتصريحات ومواقف شخصيات مختلفة قبل السخرية منها عبر ربط صورها بأغنيات عراقية ومقاطع من مسرحيات مصرية أو عراقية شهيرة. غالبية هذه الفقرات استهدفت رموز «دولة القانون»، ما وضع الحمداني في مواجهة حملة واسعة من الإدانة عبر الـ«سوشال ميديا»، وصلت إلى حد التخوين والاتهام بالعمالة.
يحسب لأنور الحمداني أنّه في فترة الانتخابات النيابيّة (أبريل الماضي)، بدا موضوعيّاً في أكثر من موقف. مثلاً انتقد أحد المرشحين المتحالفين مع نوري المالكي بسبب ورود معلومات عن تعديه على القانون وتجاوزه ضوابط الحملات الانتخابيّة. وبمجرّد تأكّده من أنّ القصة مفبركة، قدم المذيع اعتذاراً علنيّاً للمرشّح، فضلاً عن منحه فرصاً متكافئة للكثير من المرشحين لعرض برامجهم الانتخابية وأهدافهم.
في المقابل، يمكن اختصار المآخذ التي سُجلت عليه بكثرة ترداده عبارة: «نحن صوت الشعب العراقي ولسانه الذي يحاسب المسؤول الفاسد أو الفاشل»، أي طرح نفسه كممثل لأكثر من 30 مليون عراقي. كما أنّه يبدو أنّه لم يكترث كثيراً لإظهار الرأي الآخر (قبل الماراثون الانتخابي)، إذ كان يمكنه توفير فرصة لظهور مؤيدي المالكي في البرنامج لإسقاط تهمة الافتقار إلى الموضوعيّة. عدم اكتراثه وصل إلى درجة الضيق بالآراء المعارضة له. مشاهدون كثيرون يتذكرون الطريقة التي واجه بها الحمداني النائب السابق في «دولة القانون»، عزت الشابندر، أو المحلل السياسيّ عبد الأمير علوان.
إذاً، إغلاق «البغدادية» بات أمراً واقعاً وكذلك مذكرة إلقاء القبض على أنور الحمداني. غير أنّ هذا الواقع أثار الكثير من الاستغراب، وخصوصاً أنّ موقف القناة واضح من دعم الجيش العراقي وإدانة الإرهاب، على عكس فضائيات أخرى!