لطالما تغلغل اللبنانيون في فورة الفضائيات العربية، وأسهموا في تأسيسها. هذا الوجه الإيجابي للمسألة، رافقه آخر معتم تمثّل في تحويل هذه المنابر العربية (تحديداً الخليجية منها) وغيرها من القنوات العالمية الناطقة بالعربية إلى ذراع إعلامية تخترق المجتمعات العربية وثقافتها ووعيها.


هذا الجانب يتمثل في إطلالات الإعلاميين العرب واللبنانيين عبر الفضائيات، وإلى جانبهم مسؤولون صهاينة ناطقون باسم الحكومة الإسرائيلية، أو باسم وزارات أخرى أبرزها: «الدفاع».
هذه المشهدية الجامعة للبناني مع الإسرائيلي باتت مألوفة مع مرور الوقت، بل هناك مَن يصفّق لها. حُكي مطوّلاً عن التطبيع الإعلامي الذي لا يطاوله قانون «مقاطعة إسرائيل» (حزيران/ يونيو 1955) الذي يركز غالباً على الشق الاقتصادي. هكذا، «يفرّ» الصحافيون /ات اللبنانيون/ات قانونياً من المساءلة والمحاسبة، ويعزّز ذلك وجودهم خارج الأراضي اللبنانية، لكن يبقى الحديث عن الشق المهني (إن وجد). حجج كثيرة تتوالى على أسماعنا لتبرير هؤلاء لمقابلاتهم مع متحدثين صهاينة. منهم من يقول إنّه مجبر على إجراء هذه المحادثات منعاً لقطع رزقه، وآخرون يحاولون إقناع الجمهور بأنّ هذه المواجهات تصب في خانة مقارعة الاحتلال «لفضح صورته المجرمة على حقيقتها»! كأنّ العدو الإسرئيلي يحتاج إلى من يفضحه بعد أكثر من 60 عاماً على احتلاله فلسطين. وحدها صور المجازر والإبادات الجماعية تشهد على ممارساته، من دون الحاجة إلى هذا الاستعراض غير المبرّر.
في ما يخص الاستضافات، نلاحظ مظهرين يحكمان أداء الإعلاميين/ات في مقابلاتهم مع الصهاينة: الأوّل يتمثل في كمّ هائل من الصراخ والعويل في وجه «الضيف» بغية «إحراجه لتبيان وحشيته». أما الثاني، فيتجلى ببرودة وسذاجة يظهرهما المذيع /ة أمام العدو، إذ لا يحرّك ساكناً ويفسح المجال أمام الطرف الآخر لقول ما يريد وتلميع صورة جيشه المجرم. هذان المظهران يمكن استقاءهما بسهولة إذا استندنا إلى العدوان الصهيوني الأخير على غزّة.
فضائيات عربية عدّة وأخرى غربية ناطقة باللغة العربية (قد تكون دولها مطبعّة أساساً مع إسرائيل مثل «بي. بي. سي. عربي»، و«روسيا اليوم»)، أو أخرى تمارس تطبيعاً في الخفاء (مثل «العربية» و«الجزيرة»)، لكنّها تمارس الاستغباء باستضافة إسرائيليين عبر منابرها، خلال تغطيتها لهذا العدوان، أفردت مساحات لمتحدثين باسم الاحتلال الصهيوني.
في مطلع الشهر الحالي، أطلّت علينا ريمي معلوف، الوافدة حديثاً إلى «روسيا اليوم»، واستضافت المتحدث باسم حركة «فتح» أحمد عساف، والناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي .


التطبيع الإعلامي
بين برودة ريمي
وعويل غادة

ظنت الإعلامية اللبنانية أنّها ستُحرج أدرعي من جرّاء أسئلتها الساذجة حول خرق الهدنة في غزّة واستهداف المدنيين والطواقم الطبية. على سبيل المثال، سألت معلوف: «ألا يعنيكم عدد الأطفال والنساء الذين يسقطون؟ ألا يعنيكم الوضع الإنساني في غزة؟». أما الأجوبة، فكانت تأتي دوماً معلبة. أعاد أدرعي العبارات نفسها: «نحن نكترث للوضع الإنساني في غزة، و«حماس» تقتل الفلسطينيين، وجيش الدفاع الإسرائيلي أكثر الجيوش أخلاقية»!
في غضون ذلك، بقيت معلوف جامدة من المقاطعة إلا نادراً، وبقيت تستمع إلى أكاذيبه وفبركاته. ولولا وجود عسّاف لما كنا قد سمعنا بالإجرام الذي يدور في غزّة.
برودة معلوف قابلها جنون وعويل خرج من «الجزيرة» قبل أسبوع على لسان الإعلامية اللبنانية غادة عويس. عويس دأبت على الصراخ في وجه المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي أوفير جندلمان. انفعال كاريكاتوري اتحفتنا به أثناء توجيهها أسئلة الى ضيفها، كما حدث حين قالت: «ألا تخجل أنت ونتنياهو من القول إن اسرائيل دولة أخلاقية قتلت أكثر من 1600 مدني؟». علماً بأنّ معظم مذيعي القناة القطرية اعتمدوا الأسلوب نفسه في تغطيتهم للحرب الإسرائيلية الأخيرة على القطاع المُحاصر.
في المحصلة، ما يقوم به هؤلاء اللبنانيون على الفضائيات العربية أو الغربية ما هو إلا تلميع لصورة الصهاينة، ومنحهم الفرصة لترداد الأكاذيب والهلوسات التي أصبحت مع الوقت «ثقافة» مألوفة لدى بعض الجمهور. جمهور لم يعد يميّز أو يهتم لبطش هذا العدو ووحشيته.








«الجزيرة» مذلولة

منذ بدء الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزّة، لبست «الجزيرة» مجدداً ثوب المقاومة، محاولةً استرجاع بعض من الشعبية التي خسرتها في الشارع العربي، لكن أداء القناة القطرية الكاريكاتوري وضعها في موقف صعب ومهين. نقلت المحطة أخيراً عن مصدر مطلع قوله إن وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، أصدر أوامر لموظفي الوزارة والمتحدثين باسمها بعدم التعامل مع «الجزيرة» بأي شكل من الأشكال. وقال المصدر إن المستشارين القضائيين للوزارة سيشرعون في تحقيق شامل بشأن تغطية هذه الشاشة للحرب على غزة، وخصوصاً بعد اتهام ليبرمان لها بالتحريض على إسرائيل ودعواته إلى إغلاق مكاتبها، لكن الكارثة حلّت بتغني «الجزيرة» المُذل بأنّ المصدر نفسه أشار إلى أنّ القرار «أثار تحفظات لدى بعض موظفي الوزارة، الذين عارضوا الفكرة، وأكدوا أن تغطيتها لم تنحرف أبداً عن المهنية الصحافية في التعامل مع الأخبار».