في «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» (التنوير _ ترجمة شكري عياد) قدم توماس ستيرنز إليوت (1888_ 1965) مقاربات أولية حول تعريف الثقافة وتحديد علاقتها بالدين والسياسة والصفوة. الكتاب الذي صدر في الإنكليزية عام 1948 تحت عنوان Notes Towards the Definition of Culture، نقل إلى العربية في طبعته الأولى عام 1961 للمترجم نفسه. لا يقدم صاحب «أرض اليباب» تعريفات واضحة حول الثقافة. وعلى أهمية بعض الإضاءات المعرفية، يفتقد «ملاحظات نحو تعريف الثقافة» إلى مسار علمي يأخذ بالاعتبار مجمل المعطيات والإشكاليات التي تطرحها الثقافة كجزء أساسي من نهوض المجتمعات وتقدمها الحضاري.


ينطلق من سؤال رئيسي: هل هناك شروط ثابتة إذا تخلفت فليس لنا أن نتوقع قيام ثقافة راقية؟
لا يعدنا الكاتب، كما يوضح المترجم والناقد المصري شكري عياد (1921 _ 1999) بنظرية عن الثقافة، ولا حتى بمجرد تعريف لها، بل هي ملاحظات نحو تعريف الثقافة. يتجنب استخدام تعبير مثل «العوامل الثقافية» أو «القوى الثقافية» في صدد الحديث عن قيام ثقافة راقية، مفضلاً تعبير «الشروط الثابتة» على هذين التعبيرين. يرى إليوت الحائز جائزة «نوبل للآدب» (1948) أن الدين والتقسيم الطبقي للمجتمع من أهم مكوِّنات الثقافة، على ألا يكون ذلك مرسوماً أو مفروضاً من سلطة مطلقة، بل على قاعدة الاعتراف بأن هذه المكوِّنات طبيعية. تبدو ثنائية الثقافة والدين أكثر حضوراً عنده؛ وقد حظيت خلاصاته في هذا الشأن باهتمام الدوائر الأكاديمية الأوروبية آنذاك، حيث رسخت العلاقة بين الدين والثقافة انطلاقاً من الأبعاد القيمية والأخلاقية التي نهضت عليها المسيحية في أوروبا.
يحاول صاحب «جريمة في كاتدرائية» التثبت من العلاقة بين الطبقة والصفوة والثقافة، معتبراً أن الطبقة التي يتوارث أهلها الثروة والنفوذ ضرورية لازدهار الثقافة. تستند وجهة نظره إلى ثلاث ركائز: تمايز الوظائف في المجتمع، بحيث تختص كل فئة بوظيفة معينة سمة تصاحب رُقيّ الثقافة؛ التمايز يجب ألا يحول دون اتصال الطوائف بعضها ببعض، ليكون في ثقافة المجتمع ككل، ذلك الانسجام الذي يجعل لها وحدة؛ الثقافة تتوارث، أي تُنقل من جيل إلى جيل.
يناقش إليوت الآراء التي طرحها عالِم الاجتماع الألماني كارل مانهايم (1893_ 1947) في كتابه «الإنسان والمجتمع في عصر يُعاد بناؤه» (1935)، مؤكّداً أن أفكاره عن جماعات الصفوة تستحق أقصى الاهتمام. أقام مانهايم تمييزاً بين أنماط عدة من الصفوات: النمط السياسي، والمنظِّم، والمفكر، والفنان، والأخلاقي، والديني.


يناقش الآراء التي طرحها عالِم الاجتماع الألماني كارل مانهايم

وفيما ترمي الصفوتان السياسية والمنظِّمة إلى تكامل عدد كبير من الإرادات الفردية، تتسامى وظيفة الصفوات المفكرة والفنانة والأخلاقية والدينية بتلك الطاقات الروحية التي لا يستنفدها المجتمع في الصراع اليومي من أجل البقاء. برغم الأهمية التي يعطيها اليوت لهذه الاستنتاجات وغيرها، إلّا أنه يُسجِّل على مؤسس علم اجتماع المعرفة بعض النقاط ويساجله فيها، ولا سيما قوله: «إن العمليات الاجتماعية الأساسية التي كانت في ما مضى مشجعة لنمو الصفوات الخالقة للثقافة، أصبحت لها الآن نتيجة عكسية، أي إنها أصبحت عقبات في سبيل تكوين الصفوات، لأن قطاعات أكبر من السكات تقوم بدور إيجابي في المناشط الثقافية». في الخلاصة، ينبغي أن يقوم مجموع السكان بدور إيجابي في المناشط الثقافية دون اشتراك الجميع في المناشط نفسها أو على المستوى نفسه.
يخرج إليوت الذي اعتنق الكاثوليكية بعد تخليه عن البروتستانتية الأميركية بجملة من الملاحظات، وخصوصاً حين يكثف تحليله حول العلاقة بين الدين والثقافة في سياقها المسيحي _ الأوروبي. يقع في بعض المغالطات حين يدشن للارتباط العميق بين الثقافة والدين بأسلوب يكاد يمحو الفرق بينهما.
في الفصل المخصص للثقافة والسياسة يدرس إليوت فكرتين: الأولى، العلاقة بين الصفوة السياسية والصفوات الأخرى؛ والثانية، تأثير الاستعمار في ثقافة الشعوب المستعمرة. لا يدين المخاطر الثقافية الناجمة عن المحاولات الحثيثة التي عمل عليها المستعمرون في سبيل محو الثقافات الوطنية. يتخذ تحليله مساراً تقريظياً لثقافة المستعمِر، فيقول: «الإشارة إلى الضرر الذي أصاب الثقافات الوطنية في أثناء التوسع الاستعماري ليس إدانة الاستعمار نفسه بحال، كما يحب دعاة تفكك الاستعمار أن يستنتجوا. بل إن أعداء الاستعمار هؤلاء أنفسهم هم في معظم الأحيان أكثر المؤمنين بتفوق المدنية الغربية اطمئناناً في إيمانهم، بوصفهم أحراراً، وهم يجمعون في وقت واحد بين العمى عن فوائد الحكم الاستعماري والعمى عن ضرر تحطيم الثقافة الوطنية».
ثمة نقطة أساسية يتميز بها الكتاب، تتمثّل في معالجته فكرة الوحدة والتعدد في الأنماط الثقافية؛ فالقيمة المطلقة عند إليوت هي أن كل منطقة يجب أن تتمتع بثقافتها المميزة المنسجمة مع ثقافات المناطق المجاورة وتثريها. هنا يستخدم مصطلح «الثقافة التي تدور في فلك ثقافة أخرى» دون أن يؤدي ذلك إلى التلاشي والذوبان وغياب الهوية الثقافية للدلالة على أن الثقافات ترتبط بعلاقات في ما بينها تعود لأسباب جغرافية وغير جغرافية وإلى تأثر الأمة ذات الثقافة الأضعف في الثقافات الأقوى. برغم بعض الثُّغَر ونقاط الضعف في «ملاحظات نحو تعريف الثقافة»، التي تجاوزتها الدراسات الحديثة تحديداً ما يتعلق بعوامل نمو الثقافة وتدهورها، استطاع الكتاب أن يحيلنا على تعريفات مهمة لعلاقة الثقافة بثلاثية الدين والسياسة والصفوة.