فعلها فراس الحمزاوي (الصورة) إذاً! «الفنان البطل» كما يُحبُّ مُعجبوه أن يُسمّى، قرر الالتحام بالشارع، بلغة الشارع، وآلية تفكيره، ولسان حاله. واصل الرجل مسيرته «الفنيّة» في خطّ تصاعدي. البذور الواعدة التي غرسها سابقاً عبر أغنية «أصابيع رجليكي»، أينعت أخيراً في أغنية «لـَ ط...ي (مؤخرتي) لا ترجعي».


لاحظوا جرأة الفنان. لقد سمّى الأمور بمسميّاتها، فيما نلفّ وندور، ونضع المرادف الفصيح لاسم الأغنية! لكنّ الإنصاف يقتضي ألّا نُجيّر هذا الفتح الفني بكامله لمصلحة الحمزاوي. ثمّة «حراك فني» هائل مهّد لهذا الإنجاز: الشاشات تعجُّ بالمؤخرات، الأغنياتُ بالكلام الرخيص، وأحواض الاستحمام للمطربات. كان كلّ شيءٍ جاهزاً في انتظار البطل الذي لم يتوانَ عن إسقاط ورقة التوت المستعارة. لا شكّ في أنّ الحمزاوي كان يعي تماماً أهمية الخطوة التي أقدم عليها، وحجم الهجوم الذي سيشنّه ضده المتربصون بالنجاح والناجحين. ولأنّ البطولة والجُبن لا يجتمعان، لم يكترث الفنّان بما قد يقوله المتزمتون والرجعيون وواضعو العصي في العجلات. أغلب الظنّ أنه كان واثقاً من أن قاعدته الجماهيريّة ستهبّ للدفاع عنه، وتدرأ سهام النقد والحقد، رافعةً شعار «الفن مرآة الواقع»، وشارحةً بالقول: «هذا كلام نستخدمه في حياتنا اليومية».


تكرّرت مفردة فوط صحية في مسلسل «قلم حمرة»
إذا وصل النقاش مع الرجعيين إلى حائط مسدود، وأصرّ هؤلاء على تخشبهم وتعنتهم، أنهت القاعدة الجماهيرية النقاش بالكلمة الذهبية التي اختارها نجمها عنواناً لأغنيته. والحقّ أنّ «نقاشاً بنّاءً» كهذا، يأتي في وقته تماماً، فيُكمل نقاشاً مماثلاً، بين «الرجعيين» وأنصار «الجرأة»، رافعي شعار «الفن مرآة الواقع». نقاش بدأ قبل شهر تقريباً، ويعود الفضل في إطلاقه إلى عمل درامي سوري «جريء» حمل عنوان «قلم حمرة»، وحفل باختراقات للمألوف، فكسر «التابو» على نحو مماثل لأغنية الحمزاوي، ما أتاح للمشاهد أن يسمعَ مفردات من قَبيل «شيء يدفع إلى التغوّط». (سامحونا، مرة ثانية عجزنا عن مجاراة جرأة الفن، فالمفردة في المسلسل السوري جاءت واضحةً وبلا مواربة). المسلسل عينه تكررت فيه مفردة «فوط صحية» مرات ومرات، إلى درجة تجعل «الرجعيين» يظنّونه وكيلاً للمنتج. كما أُفردت فيه مشاهد لمعاناة البطلة وهي في المرحاض، تشقى في سبيل التخلص من فضلات الطعام، بلا نتيجة. وبطبيعة الحال، هبّ «أعداء الجرأة» لمهاجمة المسلسل، فانبرت القاعدة الجماهيرية للدفاع عنه، وسمعنا أسطوانة: «الفن مرآة الواقع»، و«هذا كلام نستخدمه في حياتنا اليومية». ولأنّ قاعدة الدراما مليئة بالنخب، فقد فتح هؤلاء باباً جديداً من أبواب الدفاع عن «جرأة قلم حمرة»، يُفضي بنا إلى أن «ما ورد فيه سبق أن ورد مثيلٌ له في كثير من الأفلام والعروض المسرحية»، ضاربين بعرض الحائط حقيقة أنّ للمسرح والسينما جمهوراً يذهب إليهما باختياره، فيما تزور الدراما الجميع في عقر دارهم، شأنها شأن الأغنية. وتوخياً للأمانة، سيكون من الواجب التنويه إلى قواسم مشتركة عدّة بين تجربتي الحمزاوي، و«قلم حمرة». إذ يحضر في الاثنين ذلك النوع من «الدراما الساكنة»، حيثُ لا يحدثُ شيء، سوى الانطلاق من نقطة لرسم دائرة تعود بنا إلى النقطة ذاتها، مع بعض التغير في ظروف الأبطال. ولنلاحظ معاً أنّ المُطرب اختصر الأمر في أغنيته، فقادنا إلى النهاية منذ البداية، حيث قرر ترك حبيبته، ثم أسهب في شرح الأسباب، بينما احتاجَ زوجُ البطلة في المسلسل إلى ثلاثين حلقة بالتمام والكمال ليُقدم على تلك الخطوة. كذلك، ينأى العملان الفنيان بنفسيهما عن الحبكة التقليدية، ويعتمدان «حبكة كونراد» الشهيرة، حيث تتداخل الأحداث عبر الأزمنة.
وللمفارقة، فإّن للحمزاوي مثلاً أغنياتٍ «وطنية» حسبته على «المؤيدين»، ودفعت بتلفزيون «سما» السوري إلى استضافته في وقت سابق، وعززت رأي القاعدة الجماهيرية بـ«الفنان البطل». على نحو مماثل، ومع اختلاف المواقع والاتجاهات، كان لـ «قلم حمرة» مسار حسبه على «المُعارضين»، ورسّخ حضوره لدى هذه الفئة من القاعدة الجماهيرية.
حسناً، من المُرجح أنّ عقد المقارنة بين أغنية ومسلسل لن يروق لصُناع المسلسل وجمهوره ولكثيرين آخرين، إذ «لا تجوز المقارنة بين نوعين من الفن، لكلّ منهما أدواته»، فلمَ هذه القاعدة الذهبية مُغيبة لدى مقارنة مسلسل بفيلم أو مسرحية؟! ثمّ أليس في شعار «الفن مرآة الواقع» وجملة «هذا كلام نستخدمه في حياتنا اليومية» ما يكفي ليتشاطر الحمزاوي و«قلم حمرة»، خندقاً واحداً في وجه الرجعيين؟ نعتقد ذلك.