يعود «مهرجان كابريوليه» السنوي للأفلام القصيرة الذي اختتم عروضه على درج مار نقولا (الجميزة_ بيروت) في حزيران (يونيو) الفائت، ليقدم لنا مجموعة مختارة أخرى من الأفلام القصيرة في مدينة جبيل. على مدى يومين متتاليين 7 و 8 آب (أغسطس)، ستنصب شاشات للعرض في الهواء الطلق في «الشارع الروماني» في المدينة. الأفلام الـ23 اللبنانية والأجنبية التي ستحتضنها جبيل، هي من عروض «مهرجان كابريوليه» السابقة، وتتنوع بين الخاص الحميمي والاجتماعي والسياسي عبر أساليب روائية وتجريبية وتحريكية.


يفتتح المهرجان بـ «إيك حمص» (7/8_ س: 17:00) لكلود الخال (2009) الذي يروي قصة مخرج لبناني شاب يلتقي بمنتج فرنسي ليقنعه بتمويل مشروع فيلمه المقبل. الشريط الذي يؤدي بطولته كريم غريب وستيفان تيليه، يصور نظرة الغرب للعالم العربي ولبنان في إطار كوميدي عبر شخصية المنتج. لدى هذا المنتج تصوّر مسبق عن الحياة في لبنان، فهي تُختصر بالحمص اللذيذ وفانتازيا النساء المحجبات الخاضعات بحسب اعتقاده لجانب أكشن الحرب الطائفية المستمرة، وعمليات الخطف والإرهاب التي تشكل مادة دسمة لفيلم رائع.


نشاهد في «اثنان واثنان» نموذجاً مصغراً عن النظام الديكتاتوري


وفيما يحاول المخرج عرض فكرة السيناريو، لا يسمح له المنتج بالتكلم، لأنه لا يريد أن يسمع ما يناقض رؤيته للشرق «المتخلف» و«البدائي» ولعظمة الحمص الذي يظنه أهم إنجازات البلد إلى درجة أنّه يسأل المخرج ما إذا كانت هناك ديانة يعبد أفرادها الحمص في لبنان. ينجح الفيلم في تصوير كل الكليشيهات التي تحكم رؤية الغرب إلى العالم العربي بأسلوب ساخر وممتع، يعززه الإيقاع الحيوي الذي يعتمده المخرج في التصوير كما في المونتاج والحوارات الطريفة.
لكن ما فات كلود الخال ربما هو كليشيه آخر يتمثّل في التصوّر الواهم للبناني نفسه عن بلده. هو يودّ تقديم صورة مثالية عنه منفصلة عن الواقع، وهذا ما يظهر من خلال الحديث بين المنتج والمخرج. يعرض الأخير فكرة السيناريو قائلاً إنه يريد أن يخرج فيلماً عن الشباب اللبناني، ومرحه وحبّه للحياة والأكل والضحك، ليقارب بذلك إعلاناً لوزراة السياحة. وهنا، لا يختلف في تبسيطه للأمور عن المبالغة التراجيدية للكليشيه الأول الذي هو موضع النقد في الشريط.
في «اثنان و اثنان» (2011) للإيراني باباك أنفاري (7/8 ــ س:20:00)، نشاهد داخل صف دراسي نموذجاً مصغراً عن النظام الديكتاتوري. يقرّر الأستاذ أنّ اثنين زائد اثنين يساوي خمسة (2+2=5) وأن على التلاميذ أن يقبلوا بهذه المعادلة الجديدة اللامنطقية، رغم إدراكهم خطأها. عبر التفاصيل الصغيرة، يصوّر الفيلم آلية عمل النظام الديكاتوري وتحويره للحقائق من خلال قصة مبسطة قادرة برمزيتها على أن تجسد قسوة القمع والإلغاء الفكري الذي يوازي عنف الإلغاء الجسدي للفرد. وهي العقوبة التي سيواجهها إذا لم يرضخ لعملية تغييب عقله، تماماً كالتلميذ الذي يقتل في النهاية لأنه أصر على أن نتيجة المعادلة هي أربعة لا خمسة. آلية قمع الأفراد نشاهدها أيضاً في «لوميناريس» (2011 ) لجوان بابلو زرميلا (8/8 ــ 18:00) لكن ضمن إطار مختلف تماماً. يأخذنا الفيلم الحائز جوائز عدّة إلى عالم خيالي يحكمه الضوء حيث البطلة والبطل أشبه بآلات لإنتاج الطاقة الكهربائية. ي
عتمد المخرج على جمالية بصرية بطلها الضوء، ويضيف إليها المؤثرات الخاصة ليصوّر انسيابية الوقت الذي يقود الشخصيات ومن ثم يعيدها إلى أماكنها مثل المد والجزر، فيما هي عالقة داخله. تتمثّل استثنائية العمل في التناقض بين جمالية الصورة والسجن الذي تمثله للشخصيات.
هي أسيرة إيقاع الضوء أي الوقت الذي يجد البطل في النهاية وسيلة للتحرر منه عبر المصباح الضخم الذي ينفخه كالمنطاد ويسافر على متنه مع حبيبته خارج الزمن. أخيراً، في «مريرنغ (انعكاس متطابق)» للهولندي لمارين غروثوف (7/8 ــ س:22:26) يقع البطل أسير أوهامه حين يدخل إلى مكان مهجور وتأخذه الموسيقى إلى عوالم غريبة. ستستمر هذه الحالة إلى أن يلتقي بامرأة تظهر فجأة من العدم، ويبدأ الاثنان بالتفاعل عبر الرقص. لعل أجمل ما يصوّره الفيلم هو هذا الحوار الصامت بين الاثنين. تنقل حركات الجسد وحدها إلينا كل حقول المشاعر الإنسانية؛ كالخوف والغضب والرغبة والشغف، عبر التصادم بين هذين العالمين المنفصلين اللذين يتلامسان ثم ينفصلان.



«مهرجان كابريوليه»: 7 و 8 آب (أغسطس) ــ «الشارع الروماني» في جبيل (شمال بيروت) ــ للاستعلام: 03/563444