يختصر «حلاوة الروح» الأزمة السورية. هكذا بكل جرأة وبساطة، يقدّم الكاتب والممثل السوري رافي وهبي مسلسلاً مفعماً بالألم والأمل عن سوريا جديدة ستولد رغم كل شيء، ويرغب أهلها بالحياة أكثر من رغبتهم في أي شيءٍ آخر. تدور كاميرا التونسي شوقي الماجري على أرضٍ يخيّم الموت عليها كما الدمار والسواد، لكن أكثر الألوان ظهوراً هو الأمل، وهي عادات المخرج المتألق منذ سنين عدّة.


يدفع وهبي بنجمته دانا مارديني للتألق في عمله، كما في مسلسله العام الفائت «سنعود بعد قليل» (إخراج الليث حجو) من دون نسيان الممثلين الكبار: غسان مسعود ومكسيم خليل والمصريان خالد صالح ومحمود مسعود واللبنانية رلى حمادة.
لم يكن الجمهور السوري يعرف أنّ دانا مارديني (1988) نجمة بهذا الحجم، لكنّ العامين الفائتين كانا بوابتها الكبرى للنجاح: عمل بمرافقة النجم دريد لحام وآخرين (سنعود بعد قليل)، لتتبعه هذا العام بـ«حلاوة الروح». نجاحها العام الفائت كفتاة سورية تهرب من قريتها إلى بيروت بسبب الحرب، متحدثة لهجتها الريفية، قرّبها كثيراً إلى الجمهور. وهذا العام، عادت بدور الشابة المتمرّدة على أبيها وأمها المشغولين عنها، فتذهب في رحلة إلى المجهول مع شاب سوري طموح (مكسيم خليل) يريد تصوير فيلم عن الثورة السورية. تسرق دانا الأضواء في أيّ مشهد تظهر فيه، وتتحرّك على مساحة الشاشة بحرفية تذكّرنا بكبار النجمات. هذا الأمر دفع بالمخرج والكاتب إلى إعطائها مساحات منفردة على الشاشة. بدوره، يتألق غسان مسعود في أداء أمير الجماعة المتشدّد الذي يظهر لنا وجهه عندما يقتل ولده (أدى دوره ابنه سدير مسعود) في المشاهد الأولى من العمل. يبكي قليلاً، ثم ينزع الحزن عنه، ليعود ويضع وجهه القاسي كقائد وأمير للجماعة. يلعب مسعود المحترف الدور بتقنية، فهو يؤرجح لهجته المحكية بين الفصحى والعامية السورية، ذلك أنّ أغلب شيوخ الجماعات القتالية في سوريا (الإسلامية تحديداً) يتحدّثون الفصحى ويطعّمونها بكلمات لهجتهم المحلّية. يلعب مسعود هذه الورقة بكل احترافية، مع التركيز على صوته الخفيض، فهو قلّما يرفع صوته وهذه مهارة بحدّ ذاتها. في الإطار نفسه، يتألّق مكسيم خليل ويحاول الإبقاء على أدائه منسجماً مع طبيعة الشخصية وإن كان يجنح أحياناً إلى الإضافة من شخصيته إلى الشخصية الأصلية، وهذا الأمر قد يشكل مشكلة له في أدوار أخرى.


شوقي الماجري
أمتعنا كثيراً في مشاهد التفجيرات والمعارك وإطلاق النار




بدوره، يحاول خالد صالح تعويض ما فاته في رمضان الفائت مع مسلسله «فرعون» الذي لم يحقق النجاح المطلوب، فقد جعله أكثر انتقائية في أعماله اللاحقة، وكان موفّقاً هذا العام، وإن عابه شيءٌ واحد هو طبيعته الجسدية. عرف الجمهور صالح بجسده المكتنز بعض الشيء، وقد أعطاه ذلك نوعاً من الهالة والمصداقية لدى جمهوره، خصوصاً مع صوته الحاد بعض الشيء ورأسه الحليق أو قليل الشعر. كلّ هذه التفاصيل تخلق نوعاً من العلاقة الخفيّة بين المؤدّي والمشاهد، لكنّ صالح ذا الجسد الرشيق والشعر الأبيض جعل المشاهد أبعد منه. لكن ماذا عن نسرين طافش؟ لا تزال السورية الجميلة للأسف تطبّق نظرية مكانك راوح، فهي تؤدّي بحرفية، لكن ما يفوتها تماماً أن عليها في أعمال مماثلة أن تؤدي أكثر من الحرفية، أيّ أن تقدّم شيئاً خاصاً لتربط المشاهد بها، أن تجعلنا نصدّق أنها الشخصية، لا نسرين طافش.
تقنياً، يبدو أن الإنتاج كان كريماً مع شوقي الماجري الذي أمتعنا كثيراً في مشاهد التفجيرات والمعارك وإطلاق النار. لكن ما كان لافتاً هو مشاهده السريالية الإيحائية التي تعلق في ذهن المشاهد أكثر من أيّ شيء آخر، فضلاً عن قدرتها على تجسيد الشعور بحرفية أعلى. يتشارك الماجري مع المخرج السوري باسل الخطيب في هذه الحرفة (نتذكّر للخطيب مسلسل «الطويبي» مع أيمن زيدان الذي يعدّ مدرسة في التلفزيون السريالي الإيحائي). يُخلص الماجري لحرفته، ويقدّم عمله كما أبطاله كما يفترض بهم أن يقدّموا، تاركاً للجمهور فرصة الحكم عليهم. وإن كنا قد حكينا عن التقنيات، لا يمكن أبداً إغفال دور رافي وهبي. الأخير يستطيع فعلاً لمس الجرح وتسليط الضوء عليه مع مراعاة الرقابة القاسية بعض الشيء في هذه المرحلة الحرجة. يذكرنا وهبي بأعمال ماركيز الأولى (على غرار روايته «في ساعة شؤم»)، حيث تتخالط الواقعية المدهشة مع الأحداث الحقيقية، فتصبح الحقيقة أكثر غرابة حتى من الخيال والمتخيّل. الأبطال أشرار، والأشرار أبطال، والعكس بالعكس، كلّه متداخل في عمل واحد. هذه الطريقة في تقديم الأعمال تختلف بشكل جوهري مثلاً عن أسلوب الدراما المصرية التي تعتمد مبدأ تسطيح الشخصيات: الشرير شرير والطيب طيب وانتهى، وإن بدأت بعض الأعمال تحاول الهروب من تلك القواعد الخشبية الخاطئة.

* «حلاوة الروح» 21:00 على «أبو ظبي الأولى»، و12:00 على «art حكايات2»




حبّ وضياع
تدور قصّة «حلاوة الروح» حول فتاة وشاب سوريين (دانا مارديني ومكسيم خليل) يتحابان بعدما يلتقيان في بيروت، ليقنعها بأنه يريد تصوير فيلم عن الثوار السوريين (عبد المنعم عمايري وجلال شموط وآخرين). الفتاة التي توافق على المشروع، تُصدم عندما تعرف بأن العملية أكثر تعقيداً مما توقعت، فهناك الإسلاميون المتشدّدون الذين يقودهم أميرهم الشيخ أبو ربيعة (غسان مسعود). يطرح المسلسل إشكاليات الفضائيات الخليجية في تعاملها مع الأزمة السورية. إذ يصوّر أحد مدراء هذه القناة (خالد صالح) الواقع تحت ضغوط القوى السياسية التي تحكم عمله. في الإطار عينه، ابنة هذا المدير تقرّر الذهاب إلى سوريا لتضيع هناك، بينما حبيبته السابقة (رلى حمادة) المصابة بسرطان الدم تكرهه لأنه تركها في مجزرة صبرا وشاتيلا عرضةً للموت. أما زوجته المقيمة في مصر (فرح بسيسو) فلا تنفك تطلب منه البحث عن ابنتهما واعادتها حيّة من سوريا.