أين يصوّر المخرجون السوريون مسلسلاتهم؟ وكم مرة يعاد المشهد لتسجيله في نسخته النهائية، من دون الأسطوانة التي اعتادها سكان دمشق، أي أصوات القصف المتكرر وأزيز الرصاص ودويّ راجمات الصواريخ التي لا تهدأ؟! تسهل الإجابة على من يعرف مدينة البوابات السبع، إذ يمكن لـ«المؤسسة العامة للإنتاج الإذاعي والتلفزيوني» والشركات التي لا تزال مواظبة على عملها داخل العاصمة التصوير في مدن إنتاج تلفزيونية في ما يخص الأعمال الشامية والتاريخية والاستعانة بأحياء دمشق القديمة الضيقة وبيوتها العربية.


وفي ما يخص الأعمال الاجتماعية المعاصرة، فلا بديل من بعض الأحياء الآمنة والاستعانة بتقنيات الصوت (الميكساج) ليبدو المشهد سليماً بشكل كامل، شرط أن يسجل الحوار نقياً من دون أصوات غريبة.
لكن أن تخرج تلك الأعمال لتقدم لنا دمشق مدينة معافاةً من جروحها، وخالية من الحواجز الأمنية المنتشرة بكثافة هذه الأيام، تسير فيها حياة الناس بشكل طبيعي، بعيداً عن هاجس الوضع الخدماتي والاقتصادي المأزوم، والظرف الأمني المتردي ومن دون أن يروعها منظر الدمار في حزامها العشوائي، أو أن تهولها مناظر الجثث على بعد أمتار من ساحة العباسيين، فذلك أمر لم يعد مقبولاً بالنسبة إلى مشاهد يعي بدقة المعطيات المتسارعة حوله.
ويزداد هذا الأمر عندما نرى مسلسلات سورية أخرى كسرت حاجز التردد وقدمت تجارب تستحق المناقشة الجدية، على اعتبار أنها تغوص في صلب الأزمة مثل «ضبوا الشناتي» و«بقعة ضوء» أو تتخذ منها خلفية لحوارات وأحداث اجتماعية مثل «حائرات» الذي قدم العام الماضي لأسامة كوكش وسمير حسين.
لكن هذا العام، فوجئنا بكم كبير من الأعمال السورية التي أنجزت في دمشق، ويبدو أن كتّابها لم يسمعوا بما يجري في بلادهم، كأنهم منفصلون كلياً عن الواقع أو يقدمون قصصاً عن بلدان أخرى، من دون أن نشاهد على الشاشة في نهاية شارة الحلقة الأولى تنويهاً يفيد بأن القصة تجري في زمن غابر، طالما أن ثلاث سنوات وأربعة أشهر مرت على الشعب السوري كانت أطول عليه فعلياً من ثلاثين عاماً.


ممثلات «خواتم» يظهرن بكامل مكياجهن ولو عند الاستيقاظ من النوم!


هكذا، نشاهد جزءاً جديداً من مسلسل الخيانات الزوجية في «صرخة روح» (مجموعة كتاب ومخرجين) في غاية واضحة لاستثمار الجنس بغية جذب أكبر عدد من المشاهدين. تهمل القصص المتلاحقة أيّ همٍ جديد يعانيه المواطن السوري وتركز فقط على زوجات قررن خيانة أزواجهن لأسباب مختلفة، لكنها تقليدية ومكررة إلى الحد الأقصى، ولم تتخط ما سبق تقديمه منذ زمن طويل في المسلسل الإذاعي الشهير «حكم العدالة» الذي كان يعتمد على ملفات القضاء السوري.
على الخط ذاته، نتابع حوارات متهاوية في «خواتم» لنادية الأحمر وناجي طعمي تنسج وفق الغرض ذاته أي اللعب على وتر الجنس من أجل التسويق لأكبر عدد من الفضائيات ولو كانت النتيجة سقوط المادة في فخ تسليع المرأة لتسويق العمل بطريقة أكثر سوقية، نتابع مجموعة من النساء يبذلن ما في وسعهن لتحقيق أغراضهن وسط ميزة الـ full make up فجميع ممثلات العمل يظهرن بكامل مكياجهن ولو كانت الشخصية ترتكب جريمة قتل، أو أنها استيقظت لتوها من النوم، ولن يتغير شيء إن كانت مدربة ألعاب قتالية. كذلك سنتابع موسيقى تصويرية مختلفة جذرياً عن ماهية الحوار تعلو بشكل مزعج وتطغى على حوارات الممثلين. أما في «قربان» لرامي كوسا وعلاء الدين كوكش، فلم تزد القصة شيئاً جديداً عما سبق أن قدمته الدراما السورية في عشرات الأعمال؛ أهمها «أيامنا الحلوة» (2003) لنجيب نصير وحسن سامي يوسف والمخرج هشام شربتجي و«غزلان في غابة الذائاب» (2006) لفؤاد حميرة ورشا شربتجي.
لكن يحاول الكاتب الناشئ في نصه الإجابة عن سؤال: لماذا وصلت البلاد إلى هنا؟ والسؤال بمثابة كليشيه أو شماعة تعلَّق عليها كل الأعمال العاجزة عن مواكبة الواقع الذي سبق الدراما بآلاف الأميال.
حالما بدت النتيجة المخيبة للعمل، وسط رتابة الأحداث وبطئها ونمطية الشخصيات المطروحة وغرابة القصة ومجافاتها لواقع دمشق الحالي هذه الأيام، سارع كاتب السيناريو إلى تحميل الفشل للرقابة. اعتبر أن المشاهد التي حذفت على كثرتها كانت سبباً رئيسياً في سقوط العمل (الأخبار 18/7/2014)، علماً بأن «مؤسسة الإنتاج التلفزيوني» استقدمت الكاتب، فأجرى تعديلات لينسجم النص مع رؤيتها وسقفها الرقابي. أضف إلى ذلك عرض المسلسل على قناة «المنتدى» الليبية، من دون أي تدخل لمقص الرقيب، مع وجود ردود الفعل السلبية ذاتها لمن يجبر نفسه على المشاهدة.




بداية الهبوط؟

ربما على كتّاب السيناريو التشبث بقاعدة تقول: «مجافاة الواقع هي بداية الهبوط». لكن على طرف آخر، تعتبر المحاولات الشبابية في الأعمال الاجتماعية «اللايت» مثل «غيوم عائلية» («سوريا دراما» ــ كتابة أسامة كوكش وتاج عبيدو وإخراج فادي سليم) أو أعمال «السيتكوم» مثل «نيو لوك» بطولة محمد خير الجراح («تلاقي» ــ لوئام اسماعيل ووسيم السيد) أو«سن الغزال» («سوريا دراما» لفهد المرعي وسارة الزير) محاولات إن بدت متواضعة، إلا أنها تعتبر خطوة أولى في تكريس نوع جديد قد يسهل تصويره ضمن الظرف الحالي، ويعطي التنوع المطلوب في سبر هموم الناس ومشاكلهم بأسلوب خفيف يقترب من الكوميديا في كثير من محطاته لو حقق النص المكتوب شرط الجودة.