الاتصالات الخلوية في غزة عصب الحياة ليس من أجل إدارة المعركة مع جيش الاحتلال، لكنها من أجل أن يتواصل الناس مع بعضهم، لا أحد يستطع هنا الوصول إلى الآخر، فيصبح أثير الاتصالات الخلوية هي الوسيلة الوحيدة من أجل التواصل واطمئنان الناس على بعضهم بعضاً.


إشارة فنية تقول بأنّ محطة الإرسال الخلوية الخاصة بكل من منطقة الشجاعية ومنطقة الشيخ عجلين في غزة، تعرضت لعطب فني ما. المناضلون في غزة كثيرون، ليس على الجبهة فقط بل في كل شيء تقريباً، فسارع فني وسائق سيارة يعمل مع شركة الاتصالات الخلوية وشخص ثالث، لإجراء اللازم. لقد أتموا عملهم في محطة الشجاعية على أكمل وجه، وتوجّهوا إلى المحطة الثانية. في وسط الطريق كان قرار إيقافهم عن الحياة صادراً سلفاً، لماذا؟! لا أحد يعلم. فقد استهدافوا بصاروخ، نقلوا على أثره إلى المستشفى. كانوا ثلاثة الأول: بترت ساقه اليمنى. والثاني بترت كلتا ساقيه، واستشهد متأثراً بجروحه. أما الثالث، فقد استشهد على الفور.
في غزة تمر الحياة ثقيلة جداً، فالموت يأتي فجأة من دون تردد، يأتي من كل مكان وفي أي وقت، ويتركنا نحن شبه الأحياء في وسط الوجع، الألم، والذكريات التي تُحفر في مخيلتنا إلى الأبد فتزيد من إصرارنا على الحياة بل على انتزاعها.
صاروا هم الخبر العاجل
عشرة أيام من العدوان البربري مرت على غزة العزة. الناس يتحرّكون هنا من أجل الأشياء المُلحة جداً والضرورية جداً، الشوارع شبه خالية تماماً وأحياناً تبدو أنها تنبض ببطء، خصوصاً قبل أذان المغرب بقليل، كثير من الناس هنا بدأ يتسرب الضيق إليهم والقلق الشديد، خصوصاً أنّهم محبوسون في بيوتهم في حالة ترقب تام، فأحياناً يعرفون ما يجري، وأحياناً كثيرة لا يعرفون ما يدور حولهم حيث لا كهرباء، ولا أرصدة في أجهزتهم المحمولة، ولا تجمعات بين الأصدقاء لتبادل الأخبار.
قرر شهداؤنا أن يجلسوا على قارعة الطريق يتبادلون أوجاعهم، يتشاركون الألم، الوجع، وحالات القلق الشديد، ويطمئنون على من تقطعت بهم سبل الحياة، لم تكُ جلسة سمر مطولة، ولم يكُ تجمع كبير إلى جانب المنطقة المحايدة للحدود، بل جلسوا بجانب بيتهم الملاصق للمخيم، لم يَدم جلوسهم أكثر من عشر دقائق. وإذا بصاروخ من طائرة استطلاع يقدم لهم هداياه المتفجرة، فصاروا هم الخبر العاجل على شاشات التلفزيون والجرائد.
لا أحد يستطيع فهم دموعهم
كانوا في عمر الورد. لم يجدوا في الأرض غير أربعة أمتار مربعة من الرمل، ليلعبوا بها بعدما تقطعت كل سبل الحياة هنا في غزة، أطفال لم يتجاوز أكبرهم العشر سنوات، استشهدوا بصاروخ أطلق من طائرة استطلاع، باتجاههم مباشرة، ما يؤكد النية المبيتة في استهدافهم. يبدو أنّ جيش الاحتلال يخاف من الأطفال، فهو يرى فيهم أبطال المعركة المقبلة، كيف بكى الآباء، والأمهات هنا على أطفالهم. لا أحد يستطيع الوصف، ولا أحد يستطيع فهم دموعهم.