لا يدّعي هذا العرض ما ليس فيه. فرد حكايا الشوارع والأزقة بألسنة الناس وبساطة روحهم. لا مكان هنا لتركيب الأشياء والتحليل المفتعل ولا للتمثيل المفرط. على الخشبة، رجل واحد فقط، زياد عيتاني «ابن المنطقة» يتقمص ١٥ شخصية ابتكرها الكاتب والمخرج يحيى جابر في سياق لن يفلت المشاهد ـــ ولو للحظة ـــ من نوستالجيا تفاصيله.

في العام الأول على مسرحية «بيروت... طريق الجديدة»، واللحظات الأولى لدخول «ابن المنطقة» على خشبة «مترو المدينة»، يشعر المشاهد بالانقباض. رغم مشاهدته العرض للمرة الثانية، يراوده الشعور ذاته الذي راوده منذ سنة. في الدقائق العشر الأولى للعرض: انقباض يشوبه شيء من الاستغراب. بساطة البداية تشعرك بالحذر. لا نتحدث هنا عن أي بساطة، فظهور الممثل الأساسي يبدأ بأغنية «علّوا البيارق علّوها» التي تم استخدامها كمادة دعائية لمحطة تلفزيون «المستقبل» خلال شهر رمضان عام ١٩٩٥. وقد باتت في ظل التراكمات السابقة لهذا العام واللاحقة له شعاراً لفئة دون أخرى، رغم محاكاتها لكل الناس. ولشدة ما سُمعت، أصبح تردادها مبتذلاً.

لماذا اختار الكاتب أن يبدأ عرضه بالكليشيه، ويطيل لحظات هذا الكليشيه كما لو أنه يقوم بذلك عن سابق تصوّر وتصميم؟ ليس الموضوع نقصاً في مواد شارع طريق الجديدة الذي استنبط منه حكاياه، ولا قلّة حنكة من المخرج المؤلف. الأمر بكل بساطة هو هجوم مسبق على المشاهد ومحاولة لإعادة تموضع العلاقة التي تجمعه بنمط مسرحي «مستهجن»، المسرح الشعبي، وبموضوع أكثر استهجاناً في لحظة غليان مذهبي في الشارع العربي بشكل عام. أنظر، هذا هو الشارع، هذه هي بيروت بحجرها وبشرها وشجرها وسمرها. هذه هي الطبقة الأولى التي نود الكشف عنها في طريق الجديدة، لكن تلي تلك الطبقة، طبقات وطبقات. يفكّك يحيى جابر لحظات الكليشيه المقصودة تلك، بسلسلة حكايا عن المسحراتي التابع لعائلة النابلسي، وعن عيل بيروت السبع، ملمحاً إلى التنافس في ما بينها، وعن صبحية نساء طريق الجديدة التي تجمع جميلة الداعوق بأم علي ورشدية وقصص الحماة والكنة ونصائح الأم لابنتها المتزوجة حديثاً كي لا يستقوي زوجها عليها. حكايا كثيرة يسردها الممثل في الفصل الأول الذي يقدم بانوراما حية ومبهجة لأزقة طريق الجديدة، دارساً نسيج العلاقات بين العائلات وبين أفراد العائلة الواحدة، متوقفاً عند كل التفاصيل والإشارات التي ما تلبث أن تتحول لتحمل دلالات أكثر سياسية في الفصل الثاني.
يدرك المخرج أنّ الجمهور ليس بهذا الغباء ليقع في لعبة التنميط. كما أنه لا يضع قبعة المفكّر الذي يستنبط ماهية الأشياء كل الوقت. في الواقع، انحاز جابر الى الناس الذين نقل صورتهم على خشبته وكان أميناً لهم: لم يقم بأي عملية تجميل للواقع ولم يخف مكامن النقد. لم يسع الى الضحك عليهم، ولم يتجه في معالجته نحو أي توظيف سياسي. لم يطلق أحكاماً على أحد، واكتفى بنقل الأشياء كما هي. كان يعلم أنّ مجرد عنونة مسرحيته بـ«بيروت... طريق الجديدة» هو أمر أشبه بضبط قنبلة موقوتة. هو الرجل الذي يبحث في كل عمل جديد عن حقل ألغام، ليس بدافع الاستفزاز، إنما بدافع البحث عن المعرفة. نحن لا نعرف شيئاً عن بعضنا. يسميه «مسرح المعرفة» الذي يؤدي الى تفتيت الخوف من الآخر.


يسمّيه «مسرح المعرفة» الذي يؤدي الى تفتيت الخوف من الآخر

دخل الى خبايا بيوت الناس بخفر، محوّلاً اللغم بين يديه الى عملية تطريز. كان ينسج وجهاً من وجوه المدينة. هو الذي يعرف أنّ بيروت هي مجرد فكرة. بيروت مدينة لا تحتاج الى سينوغرافيا حين تمتثل على الخشبة ذلك لأنها ليست موجودة بعد، فالحكايا الفردية لناسها ستبقى دوماً أقوى من فكرة وجودها بمعزل عن أهلها، وهل توجد المدينة بمعزل عن ناسها؟ ربما نعم وربما لا. ولن نغوص في كل الأحوال في هذا النقاش لأنه ليس موضوعنا. لنعد إذاً الى ابن المنطقة بترقيق الـ«ط»: زياد عيتاني الذي اعتراه الخوف حين عرض عليه هذا العمل، لا لأنه لم يقف يوماً على الخشبة فقط بل لأنه يعلم «أن الجمهور البيروتي لا يثق بسهولة». ولعل أبرز ما نجح فيه يحيى جابر هو عملية تحويل الجمهور من كتلة واحدة متجانسة الى أفراد تحاكيهم التفاصيل الهامشية الصغيرة من دون بحث منهم عن أبعاد أخرى. حين يدخل المشاهد الى العرض، عليه أن يترك كل ما اكتنزه من مشاهدات مسرحية خلفه لأنّ العرض يعود الى بساطة السرد وجمالية الشارع كما هو من دون إضافات. البساطة التي مدّنا بها جابر لا تأتي بتلك السهولة، فهي تتطلب عيناً شفافة وميزان خفّة لتخمير الكمّ البحثي الملحوظ الذي أتى به العرض حول تاريخ المنطقة. حين يخرج المشاهد، يعتريه جوع لسلسلة من العروض الأخرى كـ«بيروت عين الرمانة» أو بيروت وطى المصيطبة» لكن لن يكون له ما يريد. مخرج العرض يحذر «النجاح المعلّب» وممثله يتجنب التكرار. آن الأوان للبحث عن لغم معرفي جديد ومختلف.



«بيروت... طريق الجديدة» ــ «مترو المدينة» (الحمرا) ــ للاستعلام: 76/309363