في رواية «ليل تشيلي» (2000) للروائيّ التشيليّ روبرتو بولانيو (1953 _ 2003)، الصادرة حديثاً بالعربيّة عن «دار التنوير» (ترجمة عبد السلام باشا)، يُفاجأ القارئ باللغة تتدفّق كنهرٍ من المشاعر منذ الصفحات الأولى. تحمل العبارة أبعاداً تتجاوز حدود السّرد إلى آفاق أخرى: «أنا الآن مع الموت، لكن لديّ أشياء كثيرة لم أقلها بعد. كنت في سلام مع نفسي. صامت وفي سلام. لكن فجأة حدث كلّ شيء». البداية التي ستبرّر تدفّق الذكريات ليمضي بولانيو في سرد حكاية بطله، رجل الدين (قسّ)، والشاعر والناقد أدبيّ أيضاً. يُمعن في استعادة وقائع حياته وتفاصيلها بما يشبه الاعتراف، ليس بغية الوصول إلى السّلام الروحيّ المتوخّى عادةً من الاعتراف وحسب، وإنّما في محاولة حثيثة منه لتبرير كلّ ما قام به خلال حياته، وكلّ ما اتّهم به.


تناقض ساخر اعتمده بولانيو في شخصيّة بطله القس أوروتيا لاكروا، لا يخرج عن سياق السخرية المبطنة التي ترافق أجواء الرواية في محاولة منه للوقوف على التناقض والازدواجيّة التي وسمت معظم شخصيّات العمل. كما وسمت أوضاع تشيلي عشيّة الانقلاب الذي أطاح سلفادور الليندي وحمل إلى الحكم ديكتاتوراً مثل بينوشيه، الرجل العسكريّ المهتمّ بالقراءة والكتابة، ما يدعو القسّ إلى وصفه بالرّجل المثقّف في تكريس من بولانيو للسخرية والتناقض. فرجل الدين الذي يشعر بالنفور من الفلاحين والفقراء، وينظر باشمئزاز لحالة العبوديّة التي يعيشون فيها، هو ذاته من يلتقي أعضاء المجلس العسكريّ والجنرال بينوشيه ويشعر معهم بالانتشاء بعدما أحسّ بالاستياء أثناء فترة حكم الليندي القصيرة الأمد التي وعدت بالعمل على تحقيق القيم العليا، كالعدالة والحريّة والمساواة. ربّما يكون هذا هو الدافع لدى القس أوروتيا للقاء الناقد الأدبيّ المعروف فارويل، محاولاً الالتصاق بثقافة الإقطاع في بلد غارق في الهمجيّة والجهل، بينما في مكان آخر تبدو ملامح محاولات لدى جيل أدبيّ جديد للخروج عن النّمط السّائد، وكسر التقاليد المكرّسة. فيبرّر خياره بالقول: «في بلد أصحابه من ملّاك الضياع، الأدب يعتبر شيئاً شاذّاً ومعرفة القراءة لا قيمة لها». ومن هنا ربّما كان خيار بولانيو في استحضار شاعر تشيلي بابلو نيرودا كإحدى شخصيّات الرواية التي سيلتقيها أوروتيا باستضافة الناقد فارويل «كان نيرودا هناك، يلوك كلمات تفوق إدراكي، لكنّني شعرت بروحها من أوّل لحظة.


نصّبه بعض النقاد وريثاً
شرعياً لبورخيس

وكنت هناك، بالدموع في عينيّ. راهبٌ مسكين، تائه في أرض الوطن الفسيحة، مستمتع بشكل لا يوصف بكلمات شاعرنا الأكبر».
يمضي بولانيو في تعقّب ذكريات القس أوروتيا وتبريراته، لكنّه يلفّق له في الآن ذاته شخصيّتين تقومان بمحاكمته بطريقة ساخرة، هما السيّدان بعر وهرك، اختار بولانيو اسميهما في لعبة لغوية تقوم على قلب الحروف لكلمتي «رعب وكره» مع الاحتفاظ بمسافة أدبيّة تمنع فعل الإدانة، فبولانيو يروي ولا يحاكم أحداً. إنّه الرّاوي الذي يمتلك عين سينمائيّ يلتقط الصّور، تاركاً للقارئ خيار قراءتها بطريقته الخاصّة، موضحاً بذلك المزيد من الازدواجيّة لدى شخصيّته الرئيسية التي تمثّل إلى حدّ ما النّمط الأكثر رواجاً من مثقّفي تلك المرحلة. «هل توجد كتب عن الماركسيّة في مكتبتك؟ سأل السيّد هرك.
يا إلهي، ليست مكتبتي، إنّما مكتبة الجمعيّة، أعتقد أنّه يوجد بعضها، لكن من أجل الاطلاع، فقط كمرجع لدعم عمل فلسفيّ يهدف إلى رفض الماركسية». ما يبرّر أيضاً وجود هذه الشخصيّة في إطار مجموعة من الكتّاب التشيليين الذين أدمنوا زيارة ماريّا كاناليس، الكاتبة التي تمتلك بيتاً كبيراً في إحدى الضواحي تفتحه لاستقبال الأدباء والكتّاب، هي التي أدركت أنّ هؤلاء «لا يمتلكون ثقافة واسعة»، إذ إن «قليلين فقط هم المثقفون حقيقة في هذا البلد التعس. الباقون لا يعرفون شيئاً». هذه الكاتبة، التي ستتضح لاحقاً علاقتها بالمخابرات الأميركيّة والتشيليّة، سيبرّر لها أوروتيا ذلك في معرض تبريره لعلاقته بها.
في «ليل تشيلي»، كرّس بولانيو نفسه كروائيّ متمرّد على الواقعيّة السحريّة التي وسمت معظم روايات أميركا اللاتينيّة لعقود طويلة.
هو الذي جاء إلى الرّواية من عالم الشّعر، واستطاع أن يحقّق مكانته خلال وقت قصير حيث لم تمنحه الحياة أكثر من خمسين عاماً، إذ توفي في 2003 في مدينة برشلونة الإسبانيّة ليتابع العالم اكتشافه بعد وفاته، وتنصيبه من قبل بعض النقّاد كوريث شرعيّ لبورخيس، الذي قال عنه في آخر حوار أجري معه قبل وفاته: «خورخي لويس بورخيس هو رمّانة الميزان في أميركا اللاتينية». «ليل تشيلي» رواية عن تشيلي بقلم ابنها الذي غادرها شاباً ليمضي حياته متنقّلاً من بلد إلى آخر، مكتفياً بشعوره بالاغتراب من دون أن يشعر بأنّه منفيّ: «ما شعرت به حقاً أنني غريب، لكنني كنت غريباً في كل الأمكنة، بداية من تشيلي. ولأنني كنت طفلاً متحذلقاً، فأنا أشعر بالغربة من صغري».