قليلةٌ هي التجارب الشبيهة بتجربة سلامة كيلة (1955). هو يحاول معالجة إشكالية المثقّف الأصيلة. ما هو دور المثقّف في مجتمعاتٍ ذات أنظمةٍ شمولية؟ هو يطرح السؤال بذكاءٍ العارف بالشيء المدرك لمكمن المشكلة. يتحدّث في كتابه «مصائر الشمولية: سورية صيرورة الثورة» الصادر أخيراً عن «الريس» (مقالات نُشرت في الأعوام 2003_2006) عن الاقتصاد بوصفه أساساً للحرفةٍ السياسية، مستشهداً بلينين: «السياسية هي التعبير المكثّف للاقتصاد». لا بد إذاً من سبب كي يثور المجتمع. الجواب هو الاقتصاد بحسب كيلة الذي أمضى أكثر من ثماني سنوات سجيناً سياسياً في سوريا: الجوع، الظلم، وبالتأكيد تسلط فئاتٍ من «السلطة الحاكمة» التي تمتعت «بالامتيازات لتصل إلى تحقيق التراكم الرأسمالي الخاص، عبر نهب مؤسسات الدولة، وما توافره السلطة من امتياز يفتح مجالاً للسمسرة والتهريب والسرقة».


صحيح أنّ سوريا كانت خارج هذه الصيرورة، إلا أنّ كيلة يشير إلى الركود الاقتصادي أكثر من مرّة، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية العالمية (2008) وصولاً إلى مرحلة الانفتاح والاستعداد لللبرلة والخصخصة والتخلي عن دور الدولة الاقتصادي والتحديثي مع بدايات عصر الرئيس بشّار الأسد. يراكم كيلة الأحداث في مقالاته، لكن ليس الأحداث اليومية الذابلة. يراكم الأحداث الخبيئة خلف الأحداث المباشرة. هي مراكمة «لماذا» حدث، وليس «ماذا حدث». تبدو نقطة «الذروة» في الكتاب هي «إعلان دمشق»، حيث تنتهي مقالات الكتاب ويعلّق كيلة عليها بصفتها حدثاً بارزاً في التاريخ السوري المعاصر ويفرد لها تقريباً نصف المؤلَّف. ينتقد اعلان دمشق من النواحي التي يعتبرها ضرورية لأي محاولة إصلاح، وهو إذ ينتقد، يتحرك بصفة العارف بالشيء كونه جزءاً لا يتجزاً من المعارضة اليسارية الداخلية للنظام، ولكن البعيدة من أي إطارٍ يحجّمها ويحدد حركتها. بالتالي، كان النقد لإعلان دمشق متأتياً من طبيعة ما قدمه ذلك الإعلان أولاً بشكلٍ مباشر، وثانياً عبر الشرح/ التوضيح الذي أورده أصحاب إعلان دمشق تالياً. يطرح الفارق بين ثلاثة معطيات أساسية: ما يريده الشعب ويحتاجه، ما يريده المثقفون ويطالبون به وأخيراً: ما تريده الدولة/النظام وتطبقه.


الولايات المتحدة تريد محاسبة سوريا بوصفها «دولة مارقة»

يسبر سلامة كيلة فكرة بناء المجتمع السوري المعاصر (والشرقي المعاصر تالياً)، خصوصاً في البلدان العربية المحكومة من قبل أنظمة «عسكرية» ذات عقيدة حزبية (مصر، سوريا، العراق، اليمن). يتناول التجربة السورية أصلاً بحكم المُعاش، ويتحدث مباشرة عن طبقات الحكّام المنتمين إلى «الريف» و«الطبقات المسحوقة» كونه «في التكوين الفلاحي _ الزراعي يوفر للريفيين وسيلة للارتقاء الاجتماعي سواء كان الحكم للعسكريين أو المدنيين»، وكذلك «الأقليات» التي بنيت عليها أغلب الجيوش العربية.
كانت الرغبة أساساً لدى المؤلف هي الإصلاح قبل أي شيء. تراه في مقالات الكتاب الأولى مهتماً في تحديد المشكلة وإيجاد حلٍ داخليٍ لها قبل الولوج إلى أمور خلبية أو تعضديات لا شأن لها بالواقع. المشكلة إذاً اقتصادية بحت، هذا لا لبث فيه، إذا فالحل لا بد من أن يكون اقتصادياً. يخلص كيلة ليساريته، فهو يتعاطى مع الشأن العام من هذا المنطلق، ويقدّم حلولاً «منطقية» غير بعيدة من الواقع ويراكم المشاكل بمعرفة. لذلك يهتم بالقطاع العام للدولة الذي هو أساس كل شيءٍ للمواطن البسيط من الطبقات الفقيرة. الدولة هي حلم الجميع. وإن كانت قمعيةً فاسدة، فهي لا تزال تؤمّن لهذا المواطن الطبابة والتعليم وبعض الخدمات الاجتماعية التي يحتاجها، لذلك فإنَّ أي مشروع لتدمير الدولة بشكلٍ همجي هو أمرٌ مرفوض وبشكلٍ قاطع. وهنا يمكننا إدراك أهمية فكر كيلة واختلافه عن مجمل حركات «المعارضة» السورية (التي «ستثور» ابتداءً من عام 2011). هو يصر على أنَّ هناك أملاً في الإصلاح، إذا سمحت الدولة بذلك وساعدت في الأمر. بغير ذلك، فإن استمرار الحال على ما هي عليه يوصلنا إلى حال تراكم نهب مستمر للبلاد: «ضمان استقرار السلطة والشخصنة المعطاة لها، عبر القوة والقهر (بالاستناد إلى قوة عسكرية/ أمنية موالية) بالإضافة إلى الدعم من كل البنى التقليدية (الطائفية والقبلية) وبإلغاء حرية الرأي والصحافة والأحزاب، تؤدي إلى انهيار الوضع المعيشي وتضرر قطاعات واسعة». يؤمن كيلة بأن الديمقراطية هي الحلّ. وإن كانت شبحاً فهي «ضرورية لاستمرار التطور» لكنها ليست كل الحلّ كما يتوهم بعض المعارضين، والحلّ أيضاً لا يكمن في «الخصخصة ولا في اقتصاد السوق ولا أيضاً في سيطرة المافيات على الاقتصاد، وليس في اعادة البورجوازية القديمة». لكن المشكلة في الديمقراطية التي تطرحها الأنظمة القمعية أنها «خلبية» تتمظهر عبر صحافة غير فاعلة، أحزاب شكلية، حزب حاكم متسلط، أجهزة أمنية قمعية، انتخابات مزورة، برلمان طيع ومطيع، معارضة محاصرة وضعيفة. كل هذا لا ينتج إلا سلطةً تعيد إنتاج ذاتها. كما يشير إلى أنَّ سوريا هي الهدف التالي للهجمة الأميركية بعد احتلال العراق، وأنّه مهما أوردت من أسباب تبرهن عكس ذلك، فإنَّ الولايات المتحدة تضع سوريا ضمن «الدول المارقة» وبالتالي يجب محاسبتها. في الشق المتعلق بإعلان دمشق، يوضح كيلة أنّ مشكلته مع الإعلان، (وإن حدد أيضاً مواطن قوةٍ فيه: فهو يؤسس لتحالف قوى معارضة، ولم يرهن التغيير بالسلطة) أنّه حصر الصراع بين متضادين: الاستبداد ضد الديمقراطية، وساوى بين الديمقراطية والليبرالية مع ميلٍ جارفٍ للأخيرة. وهما خطآن فادحان للغاية. في الإطار عينه، كان الإعلان «مائعاً» لجهة تحديد موقفٍ واضحٍ من «السيناريو الأميركي» الضاغط بشدة آنذاك (استبدال كلمة «الخارج» المحايدة بدلاً من العدو الأميركي)، فضلاً عن «نفسٍ سوروري» يستشعره كيلة في الحراك، يطغى على أي اتجاهٍ آخر (مقابل عروبي مثلاً). لكن أكثر ما يلفت نظر المؤلف هو يد الإخوان المسلمين ونَفَسهم في الإعلان خصوصاً لجهة التعامل مع مكونات الشعب «الدينية» الأخرى. إذ يبدو أسلوب الجماعة الذي ينتهجه الإخوان بحكم اعتبارهم أنفسهم «الكل» والباقين «توابع» (ضمن الطوائف الدينية أو حتى الأديان الأخرى).
بعد ذلك، يعود إلى طرق الإعلان من باب التوضيح الذي عادت هيئة الإعلان وأصدرته، مؤكداً أنه أعطى روحاً جديدة من خلال تنبهه للمشاكل السابقة. الموقف بدا واضحاً من «الإمبريالية الأميركية»، والتغيير الديمقراطي هو الأهم (لا اللبرلة)، لكن كيلة يسأل: هل هذا التوضيح هو «تعديل» على النص الأصلي أم أنه مجرد «تزكية» لتطييب الخواطر والنفوس؟ في الختام يقدّم المؤلّف حلولاً اعتبر أنها الأفق الأنجع في حلِّ المشاكل المتفاقمة بعيداً من «الإعلانات». في السياق، أكّد أهمية التعامل مع القضية الكردية كعنصر فعال في الواقع السياسي الراهن واعطائها أهميتها الواقعية والحقة.