اتّخذ محمد علي شمس الدين — منذ بداياته كاسم بارز بين شعراء جبل عامل، ثم كعنصر أساسي في ما أسمتْه الصحافة الثقافية وبعض النقد الأدبي: ظاهرة شعراء الجنوب — مساراً خاصّاً به، متخفّفاً عكس باقي أقرانه، من الغنائية الهادرة وعبء قضايا الجنوبيين والفلسطينيين ساعة تبلور الظاهرة بالتزامن مع تصعيد الكفاحيْن اللبناني والفلسطيني على طول الحدود مع فلسطين المحتلة، وبالأخص في ما صار يعرف في التأرّخات الوطنية اللبنانية بالقرى الأمامية.

حيث استعان أنداد محمد علي شمس الدين برموز محليّة وتفاصيل يومية من أرض الجنوب ولغة تلامس الهمّ على مستواه الاجتماعي، ارتقى هو برموز شعره إلى استلهامها من التاريخ العربي-الإسلامي، من التوراة والأناجيل، ومن المتن الأسطوري للشعوب، مع نبرة عرفانية تمتزج بأيروتيكا مرْهفة لا تتنافر أبداً مع الأجواء الروحانية للقصيدة، وتبلغ أحياناً مدى الرمز الصوفي.
وفي ما يشبه التعريب، أو الكتابة الثانية على منوال شاعر آخر، كتب الشاعر 84 غزلية مستوحاة من شاعر الفرس الوطني وأبرز رواد الغزل العرفاني: حافظ الشيرازي، في مجموع أطلق عليه اسم «شيرازيات»، يقول في مقدمته شارحاً مرامي صنعته وحصة ما له ولحافظ في الكتاب: «كنت قد اخترت 75 قصيدة غزل من الشاعر والمتصوّف الفارسي حافظ الشيرازي، وعرّبتها مشيراً إلى أن عملي لم يكن ترجمة تتمتع بالأمانة الحرفية للنص الفارسي، لأن ذلك يقتل الشعر، بل منحتها روحي الشعرية وروح اللغة العربية معاً، فظهرت أشبه ما تكون بنصوص على النصوص أو قصائد جديدة على قصائد قديمة، تنتمي إليّ بمقدر انتمائها إلى حافظ الشيرازي. ومن يعرف اللغتين الفارسية والعربية يدرك مقاصد ما أقول».
في مرحلة متأخرة، حاول محمد علي شمس الدين الإفادة من الذاكرة البصرية الإنسانية، عبر نسج قصائد تمتح من نماذج تشكيلية عالمية، في تواشج خلّاق بين الكلمة واللون.
على المستوى الشكلي، جرّب كل الأشكال الشعرية الممكنة، من القصيدة العمودية حتى القصيدة التفعيلية والقصيدة المنثورة، بل إن في نثره أيضاً الكثير من الشّعر، يرقى به إلى أن يصير نثراً فنياً.

1. مارْسيل حرو... ادْفنوني
ماتتْ أمْس، مارْسيل حرو، الراقصة الْإلهيّة لفرْقة كركلا للرّقْص الشّعْبيّ.
— أتعْلم بماذا أوْصتْ؟
— لقدْ أوْصتْ بأنْ يدْفن جسدها تحْت خشبة الْمسْرح، في الْقلْعة، عنْد أصْل الْأعْمدة والْهياكل، لكيْ تسْتمع، هناك، لضربات أقْدام الراقصين، مدى الْحياة... مدى الْموْت.
[حلقات الْعزْلة].

2. نرْد المرْأة
الْمرْأة نرْد الرّجل.
اِرْم نرْدك وانْتظرْ.

الْمرْأة نرْد الرّجل.
اِقْذفْ صنّارتك في الْبحْر. اقْذفْ قلْبك في الْحبّ. اقْذف النّرْد... ولكنْ: أقْفلْ عيْنيْك قبْل كلّ شيْء..
حذار أنْ ترى..
[حلقات الْعزْلة].

3. غوغان
هلْ تسْمح يا غوغان
أنْ أفْتح باب الصّورة
أدْخل كيْ أقْتل ذاك الْهرّ الْجالس
قرْب حبيبتك التّاهيتيّة
كيْ يحْرس نهْديْها
***
هلْ تسْمح يا غوغان
أنْ أعْصر نهْد الْجوْز
وأقْضم حبّ الْفلْفل
منْ شفتيْها
***
هلْ تسْمح يا غوغان
أنْ أطْرد هذا الْهرّ الْقاسي
كيْ آخذ مطْرحه في الصّورة؟
***
غوغان: اقْتلْني أيّها الصّديق
اقْتلْني
أنا هو الْهرّ
بيروت، 83/84
[طيور إلى الشّمْس الْمرّة، 1984]

4. أرْض فقيرة
لا أطْلب منْ سالومي
رقْصة يوحنّا
حافية
أوْ عارية
أوْ حاسرة
النّهْديْن
كيْ أمْنحها رأْسي
في صحْن منْ فضّه
فأنا رجل عاديّ
منْ همل النّاس
لا يذْكره التّاريخ
ولا تعْرفه الْأسْطورة
ليْستْ لي
جبّة كاهن
أوْ لحْية قدّيس
أوْ نبْرة عرّاف أعْمى
وخلاصة أمْري
أنّي في ذات صباح
أيْقظني تعبي
وأشار إليّ بأنْ أتقدّم نحْوه
فتقدّمْت
فناولني رأْسي
وأشار إليّ بأنْ أحْمله بيْن الْكتفيْن وأمْضي
فمضيْت...
وهأنذا
أتجوّل بيْن النّاس
وأسْألهمْ:
هلْ فيكمْ منْ ينْقذني منْ هذا الْعبْء
الرّابض بيْن الْكتفيْن؟
هلْ فيكمْ
منْ يرْجع هذا الرّأْس
إلى سيرته الْأوْلى
بيْن الْقدميْن؟
بيروت، 5/1988
[أما آن للرّقْص أنْ ينْتهي، 1988]

5. نحيب الذّهب
سمعت الحمام الذي في الذهب
سمعت النواح
رأيت هديلاً على الحجر الأصفر الملكي
رأيت ثقوب القصب
تدمدم فيها الرياح
وإذ جنّني الليل
والْتمّ شمْل الْجراح
تقدمت حتى أرى ما سمعت
لم أجدْ
غير بيت صغير بحجم اليدين
تنامين فيه
ولا شيء حولك إلا السماء
أزحت السماء
لأجلس وحدي
إلى قدميك الترابيتين
فأذهلني
أنني نائم في الرخام
وأنك أنت التي فوق رأسي
تنوحين مثل الحمام.
بيروت، 24/12/91
[أميرال الطّيور، 1992]

6. أميرال الطّيور
[إلى عبد الوهاب البياتي]

تناثر لحم الطيور على شاطئ البحر
فوق الصخور الزبد
وتحت الصخور تنام الثعابين مائية
هكذا ينتهي كل شيء إلى أصله:
وشل في فم الأرخبيل
المياه على عرشها
وفي القاع تبكي السفن
«كل ما كان، يا صاحبي، لم يكنْ»
أمير النوارس أعمى
وفي ساحة الموج تهوي الطيور.
بيروت، 24/12/91
[أميرال الطّيور، دار الآداب، بيروت، 1992]

7. ملائكة تسْترق السّمْع
لا تضْربي
بشدّة على أصابع الْبيانو
ستعْلمين أنّني هناك نائم
بيْن ضلوع صدْره الْمثْلوم
وتسْمعين صرْختي
تغور في تنهّد الْخشب
ستسْتفيق جنّتي على جمالها
وأرْتمي
على بهاء هذا الْبلْبل
الْأسير
في أصابع الْيديْن
سأرْتمي
على الْهواء مرّة
وأرْتمي على الدّماء مرّتيْن
وألْتقي صحابتي الْملائكة
وقدْ توزّعوا هناك
في الْأماكن السّرّيّة
منْ غرْفتي.
يدخّنون، تارة،
ويشْربون الشّاي
بيروت، 21/1/92
[أميرال الطّيور، 1992]

8. ثلاثيّة على مقام الْحجاز
1. النخيل: سبحان من خلق النخيل تهزّه في الليل «مريم» كي يؤانس خوفها أو يسد جوع المريميّة بالذي عقد الثمار على الإزار ومدّ كفّاً غضّة بيضاء نحو الطفل كان الطفل يضحك من تهافت نجمتين على السرير وحوله وقف المجوس محدقين كأنهم جنّ من الصحراء جاءوا فوق أسنمة الجمال كأنّ هذا الشرق موسيقى ولم يخطرْ ببال المريميّة أن أغصان النخيل تجفّ فوق الطفل تخدش جسمه العاري وتسلمه إلى ليل الجزيرة لم يكنْ في بال «مريم» أن يسيل النخل أنهاراً وتشربه الرمال فلا يرى في الأرض غير قوافل العطشى ودمدمة الذئاب.

2. عوّامة على النيل: ما للسفينة وهي تمخر في العباب خفيفة وكأنها تعلو وتهبط ثم تعلو كي تطير بجانحين من الخيال ولا ترى إلاّ كطاووس يسافر في مياه النيل ناووس ترصّعه النجوم ويرتدي من كهرباء الليل زينته الغريبة؟ أرسل الربان نظرته إلى الأفق البعيد ومال منتشياً على أرض السفينة إنه ثمل وبحّاروه خلف خطاه سكْرى فوقهم طير تدور كأنّها ثملتْ وجنّ جنون هذا الماء والأسماك شاردة وسكْرى والنجوم تعوم هائمة على سبحات هذا الليل.

3. طريق مكّة: سيمر عصفوران يستبقان وجهك طائرين إلى الحجاز ويحملان بشائر النعمى إلى حيث السماء قريبة وتكاد تلمس بالأصابع أو تشم كأنها ريح الشمال على التلال كأنها بين الصفا والركن بارقة الخيال كأنها في الغيم هودج حسنك العالي أنا منْ نام منطرحاً على عتبات جسمك في النخيل ومنْ روى من ماء زمزم غلّة الصادي ومنْ سالت على طرق الحجيج دماؤه في أرض مكّة فاستفاق مكلّلاً بالغار من رمي الجمار على الجدار فحيثما خيّمت أنصب خيمتي، وسعيت إنّ الريح تنشرني هناك.
1/1/2010
[ينام على الشّجر الْأخْضر الطّيْر، 2012]

9. زواج على النهر
في مسيل بعيد من الماء
ثلاث نساء
يسرّحن في النهر أجسادهنّ
لا يرى
غير أهداب جفن المساء
عليهن تحنو
وترتاح عند الظهيرة
لم يكن للرجال على ما رووا
أثر في الجزيرة
مرّ نسر
وقال سلاماً
مرّ ذئب وحيّا
مرّ فهد وراح
وحين انتهت
نوبة النحل والنمل
والأصمع البوم
والضفدعة
جاء من جانب النهر كالزوبعة
فتى
دار مثل الرحى حولهنّ
وألقى معاذيره واستراح
ثلاث نساء تزوّجن عند الصباح
فتى واحداً.
10/3/2010
[ينام على الشّجر الْأخْضر الطّيْر، 2012]

10. ثلاثة أحْلام للْمسافر
1. الملاك
تراءى له
أن فوق الكنيسة
تحت الصليب الذي لاح كالطير
في باب توما
طفلة
زنّرتْ خصرها
بالحزام الملوكي
طارتْ
وصارت حصاناً
بقرنيْ غزالْ
فسبحان من كان أسرى بها
من أقاصي الحجاز
إلى الشام
حتى أعالي أريحا
وحطّمها
فجأة
في الجبال

2. طريق القوافل
تراءى له
أن ينام عميقاً
ويصغي
لأقدام من سافروا
في الرمال
ويسترق السمع للريح
تلقي على الشيح أسرارها
***
ما الذي كان يجري
على هذه الأرض
من ألف عام مضتْ؟
وماذا تقول القوافل
محمولة
من أعالي الفرات
إلى سهل أنطاكيا في الشمال؟
وماذا
لو أن العظام
التي انتظرت نفخة الصور
ملّتْ
وقامت ملوّحة
في الطريق الطويل
بأعلامها؟
وماذا
لو أن الذي نام
لم ينتبه
إلى أنه لم يزل نائماً
ولم تنتقل قدم في الظلال؟

3. اسم العذاب
تراءى له
أن ما يجعل الطير
عبئاً ثقيلاً على الأرض
أعناقها في السماء
وأقدامها في التراب
تراءى له
أن يعيد السحاب
إلى أمّه في البحار
وأن يجعل البحر
أدنى إلى نكهة الماء والملح
منه إلى جملة في الكتاب
تراءى له
ولو مرة
أن يعيد إلى كل شيء
على هذه الأرض
ما كان من أصله
وأن لا يسمّي العذاب
سوى باسمه
في العذاب
21/5/2010
[ينام على الشّجر الْأخْضر الطّيْر، 2012]

11. أغنية للون الأزرق
اللون الأزرق
أجمل ألوان الطيف
لون البحر
ولون سماء الصيف
نظر الطفل إلى المرآة
فأبصر في عينيه
بريق سماء الصيف
أغمض عينيه
ونام
أبصر
فيما يبصره النائم
زوج حمام
زرقاوين
يطيران على الماء
كان البحر الهادئ أزرق
عين الطفل الزرقاء
كانت
أجمل من كل طيور الماء
19/8/2010
[ينام على الشّجر الْأخْضر الطّيْر، 2012]

12. سيّدة الزرع التموزي
1.
حين استلقت
راعية فوق الأعشاب
هبّ نسيم فوق أنوثتها
فانتصبت
أعراف ديوك الماء
اِرتجف العصفور
الواقف فوق الأسلاك
الريش على العصفور
العصفور
على
ساق
واحدة
يمشي
ويدور

2.
يا سيدة الزرع التموزي
جمالك
يحرث في قلبي
فمري
فليأت عبيدك
إني مقطوف
وغلالي نضجت
زيتي ملء جراري
ودمي
كالخمر
يراق
[ينام على الشّجر الْأخْضر الطّيْر، 2012]

13. دموع الحلاج (مقطع)
كادت سرائر سرّي أن تبوح به/ وكاد خوفي عليه لا يسمّيه؟
ينأى ويقرب مجلواً ومستتراً/ كالغيب أجمل ما في الغيب ما فيه
من ذا هو الرجل العالي ولست أرى/ إلا بريق نجوم في أعاليه؟
يلقي على السهل ظلاً من عباءته/ فينبت العشب في أقصى حواشيه
يكاد يلمس قلب الماء مبسمه/ فيهطل الغيث إن صلّى بواديه

14. قصري على الريح
قصري على الريح لا تعلو به عمد/ من الرخام ولا يسمو به حجر
حطم قيودك في أرض مسافرة/ إلى الجحيم وكنْ جسراً لمن عبروا
باب المجرّة مفتوح لسالكه/ معْراجه الطير تفنى فيه والبشر
[شيرازيات]

15. الجنة حين أفلتت من يد آدم
أسندت رأسي إلى ياقوته عجب/ حمراء تلمع كالنيران في الظّلم
وجدْتها أودعتْ في الحان صورتها/ وأسلمتْ وجهها الفتّان للصنم
حطّم جبينك إنْ لم تبْتهج طرباً/ بالراح تسْكب في أيامك الحرم
فإنّ ذنْبك لا يشقى به أحد/ إلّاك دون جميع الناس والأمم
وإنّ آدم ضاعتْ منه جنّته/ فكان ما كان من همّ ومن ندم
[شيرازيات]

بطاقة
• 1942: الميلاد في قرية بيت ياحون في قضاء بنت جبيل في جنوب لبنان؛ النشأة والطفولة في بلدة عربصاليم قرب النبطية.
• دكتوراه دولة في التاريخ، كما يحمل إجازة في الحقوق.
• مقيم في بيروت.
• مدير للتفتيش والمراقبة في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في لبنان
• 2011: جائزة العويس في فرع الشعر.
• أعمال شعرية: «قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا»، «غيم لأحلام الملك المخلوع»، «أناديك يا ملكي وحبيبي»، «الشوكة البنفسجية»، «طيور إلى الشمس المرّة»، «أما آن للرقص أن ينتهي»، «أميرال الطيور»، «يحرث في آبار»، «ممالك عالية»، «اليأس من الوردة»، «غرباء في مكانهم»، «الغيوم التي في الضواحي» و«شيرازيات، النازلون على الريح».
• أعمال نثرية: «كتاب الطواف»، «رياح حجرية»، «منازل النرد» و«حلقات العزلة».
• بحث تاريخي: «الإصلاح الهادئ».
• قصص للأطفال: «غنوا غنوا، قصة ملوّنة».