المعلومات التاريخية والأرشيفية عن الأوريغامي متوافرة في مصادر معروفة، وليس من استنتاجاتنا الشخصية



«الأوريغامي» (Origami) فن طيّ الورق، يحيل إلى مصطلح شامل لجميع ممارسات الطي، بغض النظر عن ثقافتها الأصلية. الهدف منه تحويل ورقة مسطحة إلى شكل نهائي جديد مبتكر ومثير من خلال تقنيات الطي. لا يشجع ممارسو «الأوريغامي» استخدام القص واللصق أو تعليم الورق بأي علامة. يستخدم غالباً حرّيفو الورق الأوريغامي، الكلمة اليابانية «الكيريغامي» للإشارة إلى التصميم الذي يستخدم القص، على الرغم من أن القصّ سمة من سمات الصناعات الورقية الصينية. يمكن جمع عدد قليل من «طيات» الأوريغامي الأساسية بطرق مختلفة لصنع تصاميم معقدة، ويمكن طيّ الورق ليكون مجسماً ويُعدّ طائرا الكركي والبطريق أكثر الأشكال شهرةً في فن طي الورق الياباني. وها نحن منذ الآن أمام مفهوم الطي والطية. بشكل عام، تبدأ هذه النماذج بورقة مربّعة يمكن أن تكون جوانبها بألوان وأشكال وأنماط مختلفة.

لكن ما علاقة ذلك بالشعر والشعرية؟
في تقديرنا، الشعر بالأحرى طيّ، القصيدة طيّة. الطية (Fold، Pli) هي التركيب الذي ينشأ عندما ينحني أو يتقوّس سطح اللغة، الدلالة، المعنى «الحقيقي» للمفردة، للمفردات الذي كان في الأصل مستوياً واضحاً مباشراً، حقيقياً، نتيجة تأثير قوى الحواس، والمعرفة الضاغطة وشدّ التفاصيل والدقائق وتقليبها (اللعب على المفردات والأصوات مثلاً). الطيّ جيولوجيا بنية منحنية للصخور، وشعرياً بنية منحنية للغة التي تشفّ وتوحي وتغمز (أو ترمز) بفضل هذا الانحناء. لو أنك قاربتَ تصنيف الطيّات، بتصنيف استخدامات اللغة الشعرية، لتوصّلتَ إلى تماثلات مفيدة، فهي تُصنّف إما على أساس اتجاه الجناحين: طية محدّبة Anticline: وفيها يتقارب جناحا الطية نحو الأعلى، أي أن الجناحين يميلان بعيداً عن المستوى المحوري للطية، وينتج بتأثير قوى الشد، كأننا نتحدث عن أقوى الانحرافات في لغة الشعر بعيداً عن أصول الاستخدام «الحقيقي» للكلام، للغة، للمفردات. ثم طية مقعّرة Syncline: وفيها يتقارب جناحا الطية نحو الأسفل أي أن الجناحين يميلان نحو وبالقرب من المستوى المحوري للطية، وتنتج بتأثير قوى الضغط، كأننا نتحدث عن انحرافات استعارية أقلّ وأقرب للدلالات الحقيقية.
وهكذا لو تفحّصت تصنيف الطيات على أساس مقدار ميل الجناحين: طية متماثلة Symmetrical Fold: وتنشأ عندما يميل جناحا الطية (المحدّبة والمقّعرة) بزاوية ميل متساوية في الاتجاهين ويكون المستوى المحوري لكل منهما رأسياً وتتكون عادة مثل هذه الطيات عندما تتعرض الطبقات لضغط متساو من الجانبين. طية غير متماثلة Asymmetrical fold وتنشأ عندما يميل كل جناح من جناحي الطية (المحدبة والمقعرة) بزاوية ميل تختلف عن الأخرى، وبذلك يصبح المستوى المحوري للطية مائلاً عن المستوى الرأسي. وتتكون هذه الطية عندما يكون الضغط من أحد الجانبين أكثر من الآخر، فيكون ميل أحد الجناحين أكبر من ميل الآخر. طية مضطجعة (نائمة) Recumbent Fold وتنشأ عندما يصبح جناحا الطية في وضع أفقي تقريباً نتيجة الضغط المتزايد ويكون المستوى المحوري لهذه الطية أفقياً، حيث تصبح الطبقات القديمة فوق الطبقات الأحدث منها. طية مقلوبة Overturned Fold هي تلك التي يزيد فيها مقدار عدم التماثل حتى يزيد الميل في أحد جناحيها على 90 درجة، وفي هذه الحالة يكون المستوى المحوري مائلاً عن المستوى الرأسي بدرجة كبيرة، وتكون الطبقات المكونة لأحد الجناحين مقلوبة. قبة Dome: وهذا التركيب تميل فيه الطبقات من جميع الاتجاهات بعيداً عن نقطة متوسطة تسمّى مركز القبة. الحوض Basin: وهي الطية التي تميل فيها الطبقات إلى الداخل في جميع الاتجاهات نحو نقطة متوسطة تسمى مركز الحوض، وهي عكس القبة.
من يود مقاربة الانحرافات Écart اللغوية، أي اللغة الشعرية، عن استخداماتها الحقيقة على أساس هذا التصنيف للطيّات، فسيتوصل في ظننا إلى نتائج مثيرة ودالة.
كما أنّ للشعر تاريخ، ومدارس واتجاهات، للأوريغامي تاريخ ومدارس واتجاهات. للأوريغامي مثلاً استخدام ديني يسمى كاتاشيرو (katashiro) وهو تمثيل لإله، واستخدام يستند إلى حكاية شعبية، واستخدامات تعليمية وتربوية، بل إنه ألْهَم الفن الأوروبي المعاصر حيث ظهرت في فرنسا الحركة التشكيلية الفرنسية المسماة طاوي الورق (MFPP) التي أنشأها جان كلود كوريا Jean-Claude Correia، وتلتها حركات مماثلة.
إضافة إلى ذلك، للأوريغامي «قواعد أساسية» أولية للطيّ (كأننا نتحدث عن قواعد كلاسيكية للشعر)، وهذه الأسس الأولية تستخدم بدورها كقاعدة لقواعد أخرى، مثل: قاعدة الطائر وقاعدة الضفدع وقاعدة «القنبلة» المائية وقاعدة الأسماك وقاعدة الطائرة الورقية، وأسطورة الروافع الألف اليابانية (وهو نوع من أوريغامي لتحقيق الأمنيات)، وشكل الأوريغامي المُسمّى كوسوداما Kusudama وهو شكل مخصوص من أشكال الأوريغامي، يتم فيه تجميع قطع مختلفة من الورق معاً، ويجري تصميمها عند ذرواتها أو أطرافها، لتشكيل سطح كروي انطلاقاً من ذلك. قد تتكون بعض الكوسوداما kusudama من عدة مئات من القطع. في الأصل، استخدمت الـكوسوداما kusudama لاحتواء البخور وتُستخدم اليوم بشكل أساسي كعناصر زخرفية. يُعدّ الكوسوداما kusudama أيضاً ريادة للأوريغامي المعياري.
وهنا نقول ثانية إننا أمام تماثلات ممكنة مع أنواع الشعر العربي، الكلاسيكيّ خاصة: شعر المديح، الغزل، الرثاء....
في الفكر الأوروبي، تشغل فكرة الطيّة والطيّ مكاناً جوهرياً، إذ إن كل شيء يُطوى، يتكشّف (يفكّ طياته) وينثني (يعيد الانطواء). تقول نادين فاسور Nadine Vasseur في كتابها «الطيات» (دار سوي ـــ 2002): «لا يتوقف العالم عن صنع الطيّات. فمن الطيّات الجيولوجية إلى الطيات على الماء، ومن تجاعيد الجسم إلى ستائر الملابس، الطية هي حركة الحياة ذاتها وهي آثارها».
الطيّات والستائر هي ثيمات أيقونية متكررة في تاريخ الفن، من التماثيل اليونانية إلى الأعمال المعاصرة. إنها الطريقة التي يرتّب بها الرسام والنحات والمُنصّب installateur الأقمشة والملابس في أعمالهم. إنها تجعل من الممكن تقديم أكثر الملابس تنوعاً للمشاهدين، ولكن أيضاً تكشف أحياناً، بمفارقة جمالية، عن الجسم الذي تغطيه. تتيح الستارة للفنانين الفرصة لإظهار براعتهم وإتقانهم التقنيّ في تمثيل الواقع، ولا سيما في تقديم المواد ووهْم الحركة. تثير الطيةُ الغموضَ، والمخفيّ، والظل والضوء، والبصمة والتحوّل، وهي أيضاً تموّج وحرية، وموضوع يؤدي إلى تأمل فلسفيّ».
أبرز الفلاسفة الذين درسوا الطيات في الفن هو جيل دولوز.
نتحدث دون تردد عن «شعرية الطية».
ألسنا في طيات الأوريغامي وشعريته؟
الشعر طية تجاوُر طية. الشعر طيّات الوجود. تحاول فتح واحدة، فتكتشف أنها أعقد من ذلك، لأنها تجاوُر طيّة، وثمة أخرى تحتها وأخرى فوقها، تحاول إغلاقها فتجد أنها تنفتح ثانية كالوجود والموجود، ينطوي لينفتح على دورات متوالية. الطية تنطوي على شريحة من الوجود، ظاهره وباطنه، ظله وضوئه. وكلها تشكّل ملمس هذا الوجود، تشكل طبعه وطبيعته. القصيدة بهذا المعنى طيّة تجاوُر طيات أخرى وتُشكّل كلها ملمس الشعر، وطبعه. ما فتئتَ تطويها فتنفتح على طية أخرى، قصيدة أخرى، حتى تكتب ديواناً شعرياً ثم ديواناً آخر وآخر، وكل مرة تحاول فك طية حتى تنغلق كي تنفتح أو تحيلك إلى طية أخرى.
الصورة الشعرية طيّة، الاستعارة طيّة، كل نوع من المجاز طية، كل تشبيه طية. كل انحراف عن الاستخدام «الحقيقي»، للكلام خاصة، هو طية. دواوينك طيّات تسعى لفك نفسها كي تنطوي مرة أخرى فتمنحك الدوران بين الطيّ وفكّ الطيّ بشكل لا نهائيّ. هنا دافع جوهري للاستمرار في كتابة الشعر، دون كلل ودون شعور بالاستعادة والتكرار.
الشعر، القصيدة تسعى إلى فك المطويّ لكنها لا تفعل سوى لفّه بمطويّ آخر كي تفكّه بمطوي آخر، بطيّةٍ أخرى.
الشعر يَطوي «أمراً» ويَنطوي «على أمر»، ولمعرفة هذا المُنطَوَى عليه، يُفترض أننا على دراية وحدس بتعقيد هذا «المُنطَوَى عليه». إن دلالة المَطْوي أو «المُنطَوَى عليه» أبعد من دلالة بسيطة وحيدة وأحادية الجانب، بالمعنى الذي حدّدنا فيه معنى الطية.
أنتَ تحلم، فكأنك في قلب هذه الطيّة، أنتَ تُفسّر حلمك فكأنك تسعى إلى فكّ الطية، أنت تفكّر فكأنك في فكّ الطية وفي الاكتشاف «إعادة ثني» الطية ثانية.
الشعر مسعى لفك طية الوجود الذي يتسرّب بضوء خافت عبر نوافذ المعابد (وفق استعارة الفيلسوف غوتفريد لايبنتس Gottfried Wilhelm Leibniz)، تتكسّر الأشياء فيه، في هذا الضوء الخافت، وتغدو أقلّ وضوحاً لكن أقوى دلالة. أليس الشعر كذلك؟
ثمة مستوى عميق تتطابق فيه القصيدة مع الأوريغامي: كلاهما مغموس بالهشاشة. الهشاشة جوهر كينونتيهما. لكنها في الوقت عينه مصدر نهوض وجماليات وقوة الاثنين. بالورق الهشّ ننحت، وبالمفردات العارية أيضاً. وقوة الاثنين، القصيدة والأوريغامي، تقع في نبع غامض، صلد رغم ذلك، ورغم هشاشة وآنيّة المنحوت.

* كاتب وتشكيلي عراقي

ملاحظة
يجدر التفريق بين الحقيقة والمجاز أو التعبير الحقيقيّ والمجازيّ: التعبير الحقيقي هو استخدام الألفاظ بمعانيها الحقيقية. عندما نقول مثلاً الرجل بخيل، فإننا نستخدم كلمة بخيل بدلالة البخل الماديّ الحقيقيّ لإنسان. أما التعبير المجازيّ أو البيانيّ أو الخياليّ فهو استخدام الألفاظ في غير معانيها الحقيقة، مثل قولنا «عصيّ الدمع»، فإننا لا نستخدم العصيّ بمعنى العاصي من العصاة وإنما بدلالة البخيل بدموعه. وهذا ما كنا نقوله: انحراف الطيّة بتقارب جناحيها أو تباعدهما هو كمثل اقتراب أو تباعُد الألفاظ عن معانيها الحقيقية الأصلية التي وُضعت لها.