ككل سنة، تقدّم «متروبوليس أمبير صوفيل» استعادة لأفلام «أسبوع النقاد» التابع لـ«مهرجان كان السينمائي». بدءاً من اليوم حتى 9 تموز (يوليو)، ستقدم تسعة أفلام أولها «تنفس» (2014 ـ 20:30 مساء اليوم) للمخرجة والممثلة ميلاني لوران. يتناول العمل صداقة حميمة تنشأ بين مراهقتين تتحول تدريجاً إلى شغف هوسي ومريض ينتهي بقتل إحداهما للأخرى. شارلي الفتاة الخجولة والانعزالية تفتتن بسارة الطالبة الجديدة الآتية إلى المدرسة التي تختلف جذرياً عنها بطبعها اللعوب وشخصيتها المسيطرة.


تجد سارة في شارلي وأمها عائلة تحضنها وتعوّضها عن غياب أمها وسفرها المزعوم كما تدعي. تدخل سارة حياة شارلي وتحكم سيطرتها عليها بشخصيتها القوية والانتهازية. وبينما هي تتألق وتزداد شعبيتها، تصبح شارلي مجرد ظل يلاحقها كأنما الأولى تتغذى على ضعف الثانية ومنه تكتسب قوتها وتتلذذ بطريقة سادية بانهيارها وتدهور حالتها. لكن بمازوشية أيضاً، تغيب شارلي نفسها تدريجاً وتقبل بأن تكون مجرد مرافقة لسارة تحت تأثير افتتانها بها الذي لا يخلو من الرغبة المكبوتة تجاهها. براعة المخرجة في رسم الأبعاد النفسية المعقدة لشخصياتها النسائية وصراعاتها الداخلية هي إحدى نقاط قوة الفيلم التي تجعل هذه الدراما استثنائية، رغم أنّ العلاقة المضطربة بين مراهقتين في طور اكتشاف الحب والجنس والحياة هي ثيمة تناولتها العديد من الأفلام آخرها «حياة أديل» لعبد اللطيف قشيش ولو من زاوية مختلفة. ما هو مثير للاهتمام هو كيفية تناول المخرجة لهذه النماذج النمطية: سارة بطبعها المتفجر واللعوب، وشارلي المتكتمة والمنزوية، ثم سعيها لتفكيكها عبر الفيلم مبرزة الخيط الرفيع بين الهشاشة والقوة عبر التناقض بين الظاهر والداخل التي تجسده الشخصيتان. الشخصيتان تتساويان في نزعتهما للتدمير الذاتي وإدراكهما أن لا سبيل للتحرر من الأخرى إلا بإلغائها.


يرمز المستذئب
في شريط «حين تحلم الحيوانات» إلى الآخر المختلف

حتى لو كانت شارلي هي المستضعفة من قبل سارة طوال الفيلم، فذلك أيضاً لأنها تتماهى مع دور الشخص المغيب وتنغمس فيه كأنما تجد فيه راحتها عوضاً عن المواجهة. ما يضيف إلى خصوصية الفيلم أيضاً هو الإيقاع التصاعدي الذي تعتمده المخرجة وتصور عبره تأزم حالة شارلي واختناقها التدريجي كأنما سارة تسحب الهواء من رئتيها عبر رمزية مرض الربو الذي تعانيه، إلى أن يصل المشاهد إلى نهاية الفيلم فعلياً وهو مقطوع الأنفاس. فيلم «أمل» (2014 ـ 6 تموز) للفرنسي بوريس لوجكين الذي حاز جائزة ضمن «أسبوع النقاد» في «كان». يروي العمل رحلة مهاجرين افريقيين، ليونار من الكاميرون وهوب من نيجيريا عبر الصحراء ليصلا إلى المغرب، على أمل التسلل من هناك بطريقة غير شرعية إلى إسبانيا. وحيدة بعدما باشر حراس الحدود باغتصابها، وحده ليونار يساعد هوب ويرافقها في رحلة السير الطويلة في الصحراء وصولاً إلى أقرب قرية حيث مقار للمهاجرين يسيطر عليها رجال العصابات. نزولاً عند طلب هوب التي لا تريد الانفصال عن ليونار وتصر على البقاء معه وترفض الانضمام إلى مقر النيجيريين، يضطر ليونار إلى دفع جزية لبقائها معه ثم يجبر على الزواج منها رغماً عنه. في نهاية ليلة العرس، يعرض لمن يدفع أكثر أن يمضي الليلة مع هوب وهي تذعن لذلك. بعد تلك الليلة، تعمل هوب في الدعارة لتجني هي وليونار المال كي يستطيعا إكمال رحلتهما والوصول إلى إسبانيا. يصور الفيلم عالماً رهيباً في قسوته لا يحكمه سوى قانون البقاء، حيث جسد المرأة مباح والدعارة (بالنسبة إلى هوب) وسيلة وحيدة للتحرر والتحكم بالمصير. يحطّم الفيلم كل المعايير أو الأخلاقيات التي يمكن عادة الحكم على الشخصيات من خلالها. لا يمكن فهم دوافعها إلا من خلال تخيل درجة اليأس الذي بلغته. ليونار الذي ساعد هوب في البداية، يعرضها للبيع في ليلة العرس، لأنّ لا حلّ آخر أمامهما. لاحقاً، تقترح عليه هوب أن يرافقها لتمارس الدعارة في المدينة لأن الزبائن هناك يدفعون أكثر. مع الوقت، تنشأ بين الاثنين علاقة شراكة تتحول إلى حب فيما يحاولان إكمال مسيرتهما نحو أوروبا، أرض الحلم. ليونار يبقى مع هوب ويرفض الرحيل من دونها إلى اسبانيا حين تكتشف أنها حامل رغم أنه ليس طفله ويقتل لاحقاً نتيجة ذلك وهما على متن القارب قبل أن يصلا إلى إسبانيا. النهاية التراجيدية ليست متقنة بحبكتها الروائية، فقسوة الواقع المجرد التي ينقلها إلينا المخرج الآتي من خلفية السينما الوثائقية أشد تأثيراً. ينتقص أيضاً من قوة هذه الدراما عدم التكافؤ بين الممثل جاستن وانغ الذي يلعب دور ليونار في أداء بارع، بينما يبدو تمثيل أندورانس نيوتن التي تؤدي دور هوب أقل مصداقية. من بين الأفلام المختلفة من خلال الموضوع الذي تطرحه «حين تحلم الحيوانات» (2014 ـ 2 تموز) للدنماركي جوناس ألكسندر أرنبي. ماري فتاة وديعة ولطيفة كما تظهر لنا في بداية الفيلم. تهتم بأمها المقعدة وتذهب لتعمل في مصنع الأسماك حيث يتعرض لها العمّال ويحاولون إخافتها وتعنيفها. علامات غريبة تبدأ بالظهور على جسدها تترافق مع نمو غريب للشعر في أماكن غير معتادة. في سعيها لفهم المرض الذي أصابها، تكتشف ماري السر الذي يخفيه الجميع عن أنّ أمها مستذئبة افترست ذات يوم أشخاصاً حاولوا إيذاءها. لذا يحقنها أبوها يومياً بالمهدئات تبعاً لإرشادات الطبيب ونزولاً عند رغبة أهالي المنطقة حتى أصبحت عاجزة. ترفض ماري أن يكون مصيرها مثل أمها وتصر على مواجهة الجميع. تذهب إلى عملها رغم العلامات التي بدأت تظهر على جسدها، ما يستفز العاملين معها الذين يلاحقونها ويلقون بها في البحر. لكن بمساعدة حبيبها، تتحرر وتنقض على الجميع وتفترسهم. المثير في الفيلم أنه يعالج ثيمة المستذئبين لكن من زاوية جديدة، حيث يرمز المستذئب إلى الآخر المختلف. بالإضافة إلى هذه الأفلام، يروي Gente de bien (2014 ــ 7 تموز) للكولومبي فرانكو لولي قصة إريك ذي العشرة أعوام الذي ينتقل للعيش مع أبيه العاجز عن الاهتمام به في حين تتقرب ماريا إيزابيل ربة عمل الأب من إريك وتقوم برعايته. أيضاً، يعرض فيلم «أبقراط» (2014 ـ 3 تموز) للفرنسي توماس ليلتي الذي يتناول الأزمة التي يعيشها بنجامين الطبيب الشاب بعد أن يبدأ تدريبه في المستشفى حيث يعمل أبوه ولا تجري الأمور كما توقع. أما في «مظلم أكثر من منتصف الليل» (2014 ـ 8 تموز) للإيطالي سيباستيان ريزو، فيهجر دايفيد المراهق منزله بسبب رفض أبيه لهيئته الأنثوية ويذهب للعيش في حديقة عامة هي أشبه بعالم بحد ذاته يعيش فيه كل المهمشين منفصلين تماماً عن الخارج.



«أسبوع النقاد»: بدءاً من 20:30 مساء اليوم حتى 9 تموز (يوليو) ـ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفية ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/204080