في «الذات تصف نفسها» (ترجمة فلاح رحيم، دراسات فكرية من إصدار جامعة الكوفة، «التنوير للطباعة والنشر»، 2014)، تقدم أستاذة البلاغة والدراسات المقارنة في «جامعة كاليفورنيا» جوديث بتلر (1956) التي أصدرت كتابات في الفلسفة السياسية والنسوية ونظرية الأدب، مادة شديدة الكثافة عن طبيعة تكّون الذات وعلاقتها بالأخلاق ومفهوم المسؤولية.

وضعت الفيلسوفة الأميركية نصها عام 2005 ضمن برنامج محاضرات سبينوزا في «جامعة أمستردام». وللمرة الأولى ينقل إلى العربية كتاب كامل لها رغم إسهاماتها الفكرية والنقدية تجاه الصهيونية وعنف الكيان الإسرائيلي ودعوتها إلى مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها.

ليس الكتاب الذي يندرج في إطار فلسفة الذات وإشكالياتها الوجودية المفتوحة على علوم متداخلة، نتاجاً فلسفياً سهلاً. يضعنا منذ البداية أمام تحدي المعنى ومقاصده، وقد نبه المترجم العراقي فلاح رحيم القارئ في مقدمته الوافية إلى مستوى التعقيد الفلسفي الذي يتضمنه. حالما تلتقط الفحوى حتى يفاجئك سياق فكري/ فلسفي أشد إرباكاً يعيدك إلى نقطة الصفر. تميز العمل بتشابك الأفكار وحجم المناقشات والإحالات إلى فلاسفة غربيين كبار أمثال نيتشه وهيغل وميشال فوكو وثيودور أدورنو وإيمانويل ليفيناس وجان لابلانش، كانت لهم أطروحات خلاّقة وإبداعية في اكتناه الذات وعلاقتها المعقدة مع البيئة التاريخية والاجتماعية والأخلاقية والدواخل الفردية. تصف أستاذة الفلسفة في «جامعة بوسطن» كرستا هوداب كتاب بتلر الذي نقل إلى الفرنسية عام 2007 بأنه بلغ أقصى درجات الصعوبة في الكتابة الفلسفية، وعدّته من أعمق مؤلفاتها. حصلت بتلر عام 2012 على «جائزة أدورنو» الفلسفية الرفيعة، التي تمنحها فرانكفورت كل ثلاث سنوات للمتميزين في الفلسفة والموسيقى والمسرح والأفلام، احتفاءً بذكرى الفيلسوف الألماني (1903ــ 1969).
صاحبة «حياة قلقة: قوة الحداد والعنف» تستقصي وصف الذات والطرق المتاحة أمامها للتعبير عن نفسها. تبدأ عملها الرائد في تحليل أدورنو للعنف الأخلاقي الناجم عن خلل يصيب العلاقة بين الذات وحاضنتها القيمية الاجتماعية. عبر النقاش الفلسفي المستفيض لأدورنو، ترى أنّ «الأنا» لا تقف في معزل عن قالب مهيمن من المعايير الأخلاقية والأطر الخُلقية المتصارعة، ويُعد هذا القالب بمعنى مهم الشرط لنشوء الأنا رغم أنّها لا تتكون بسبب هذه المعايير.


تنتقد خلاصة نيتشه
حول تشكل الذات بوصفها
نتاج عقاب فقط

تجادل نيتشه في كتابه «جينيالوجيا الأخلاق» الذي اعتبر أن مسألة توجيه الاتهام والتهديد بالعقوبة هما أداتان لتنشئة الإحساس بالذات، ولا تتفق معه كونه لا يأخذ في رؤيته الفلسفية المواقف التحاورية الأخرى التي تقدم فيها الذات وصفها لنفسها خارج نطاق العلاقة القانونية والقضائية.
تنتقد بتلر خلاصة نيتشه حول تشكل الذات بوصفها نتاج عقاب فقط. وتستعين بفوكو الذي تخطى الفهم النيتشوي ورفض تعميم مشهد العقاب لتفسير الطريقة التي تتشكل بها الذات الانعكاسية. وبينما يعتقد نيتشه أن الأخلاق قد تُشتق من مشهد العقاب المرعب، يركز فوكو على الإبداعية الخاصة التي تنخرط فيها الأخلاق وكيف أن الضمير المثقل، على وجه الخصوص، يصبح الوسيلة لصناعة القيم، وأن نظاماً للحقيقة هو ما يوفر الشروط التي تجعل إدراك الذات ممكناً.
في محور «أسئلة ما بعد هيغلية»، تستند إلى مؤلَّف هيغل «فينومينولوجيا الروح» الذي استعصت أعماله على كثيرين. لا أحد ـ كما تؤكد بتلرـ قادر على قراءة الفلسفة الهيغلية بسرعة مهما بلغ من العلم. نظر الفيلسوف الألماني إلى نشوء الذات بوصفها وعياً ذاتياً يقع ضمن صيرورة عملية الاعتراف وفي خضم العلاقة سيد/ خادم، معتبراً أنّ الوعي الذاتي الأول لا يستطيع أن يتمتع بتأثير أحادي في الوعي الذاتي الآخر، بما أن كليهما متشابهان بنيوياً، فإن فعل أحدهما يتضمن فعل الآخر. يوجد الآخر عند هيغل في الخارج دائماً، على الأقل هو يوجد أولاً في الخارج ولا يُعترف به مكوِّناً للذات إلاّ في ما بعد. هنا تستعين بتلر بالمفكرة الإيطالية أدريانا كافاريرو التي تناقش الطرح الهيغلي وتقول: «إن الذات ليست عالماً مغلقاً على النفس، ذاتاً أنانوية، أنا موجودة بمعنى مهم بالنسبة لك، وبفضل وجودك... ولا يمكن للمرء الإحالة على «الأنا» إلاّ في علاقة مع «أنت»: دونما أنت تصبح قصتي مستحيلة».
في صلب موقع «الأنت» من «الأنا» تدرس بتلر التحليلات التي صاغها الفيلسوف الفرنسي إيمانويل ليفيناس الذي انطلق من ميراث الفلسفة الظاهراتية، ورفض الفكر الأنطولوجي وفضل الميتافيزيقيا لأنها تنشغل بما وراء ذاتها، وتتجه إلى الآخر المغاير كما تهتم بالأسئلة الأخلاقية. سجال بتلر مع ليفيناس تمحور حول اتجاهين عنده: الأول «مفهوم العلاقة وجهاً لوجه» كما فسرتها الظاهراتية؛ والثاني الاستبدال الذي يعني ارتهان الذات نفسها للآخر. تنتقل بعدها إلى مقاربات التحليل النفسي للذات انطلاقاً من نظرية «التحويل» كما قاربها لابلانش وبولاس. كما تحلِّل نظريات أدورنو الذي يدعو الفلسفة الخُلقية اليوم إلى شجب اللاإنساني شجباً ملموساً أكثر من محاولاتها الغامضة والتجريدية التي تسعى إلى موضعة الإنسان في وجوده.
تنتهي بتلر بعد تحليل طروحات أدورنو وفوكو ولابلانش ونيتشه وهيغل وليفيناس إلى القول بأنّ «الانحلال في الآخر ضرورة أولية، نكدٌ بالتأكيد، لكنه فرصة أيضاً، فرصة أن أكون مخاطبة، مطلوبة، مرتبطة بما هو ليس أنا، لكني أجد أيضاً من يحركني، يدفعني إلى الفعل، وإلى أن أخاطب نفسي، في مكان آخر، وبالتالي أن أخلي الـ «أنا» المكتفية بذاتها اكتفاء امتلاك».
«الذات تصف نفسها» يمثل تحدياً أمام كل ذات واعية تريد سبر الغموض، غموض الداخل، وعلاقته الجدلية مع العالم والآخر، من منظور فلسفة الأخلاق والتحليل النفسي والسيرة الذاتية. يبرهن الكتاب على العتمة الخفية في ذواتنا التي لم نستطع الإفلات منها أو تجاوزها بالكشف، رغم المحاولات المعرفية الضخمة والحثيثة التي خاضع غمارها الفلاسفة وعلماء علم النفس والأدباء.