تمتلئ شخصية أحمد الزين (مواليد قرية شحور بالقرب من صور/ جنوب لبنان ـ عام 1944) بمُقترباتٍ حياتية مثيرة. الممثل اللبناني الذي جايلَ ثورة 1958، كان من أنصار الثورة الشعبية آنذاك، وهو لا يزال فتياً طريَّ الروح والعود. منذ ولادته، عايش تفاصيل الحياة اليومية للإنسان اللبناني في عوزه وقلة حيلته، إلى أن دَخَل التمثيل عام 1967 ممتلئاً بمواقفه القومية/ الوطنية العامة التي يعتبرها ديدن الفنان. على مدى أكثر من أربعين عاماً، لم تكن شخصية «إبن البلد»، إلا مجازاً فنياً مفتوحاً يتناول فيه أوضاع المواطن اللبناني الحياتية اليومية. مزج كرامته بكرامة الوطن، مؤكداً أنّ الأخيرة تقوم على الكرامة الشخصية للإنسان في العيش الكريم والحقوق والواجبات وحرية القول والرأي، مروراً بقناعاته التي مارسها ولا يزال في أكثر من عمل درامي يقوم على مواجهة المستعمر والمحتل كما في مسلسلات «أنا القدس» (2010)، «الغالبون» (2011)، «قيامة البنادق» (2013)...

أهمية أحمد الزين أنه يجد نفسه كإنسان أولاً في كلّ أدواره، يعيشها، فعلاً وتفاعلاً، تريحهُ نفسياً وحياتياً في الواقع، وتؤكد دوماً أنّ فكرة التمثيل هي صدقاً رسالة إنسانية وجدانية راقية، سواءً في المسرح الذي قدّم فيه 18 عملاً، أو في عشرات الأعمال السينمائية والتلفزيونية، ما يدفعنا إلى ضرورة مقاربة هذه الشخصية بين الواقع والتجسيد الفني، وهيَ تتجددُ مع كل سياقٍ دراميٍّ جديد بأصالةٍ واقتدار. يمدُّ الزين أدواره الدرامية بقائمةٍ من ممكنات التعبير والتفسير والحركة والإيحاء والتوصيل، لا ينفصل فيها عن ذاته، ويستشعرُ دائماً انفعالاتها ووجهة نظرها، من غير أن يكون بطلاً أوّلَ بالضرورة، عطفاً على كونه مجبولاً من طينة المقاومة، وخط موسى الصدر وتشي غيفارا وعبد الناصر كما يُردِّدُ دوماً.
بهذا المستوى، لم يكن رمضان 2022 سوى مساحة واسعة للتعبير عن هذا الفنان المُلتزِم، الذي ارتبطت أدوارُه بالواقع المحلي، ولا سيما خلال فترة حروب اللبنانيين في ما بينهم، أو حروب «إسرائيل» عليهم لأكثر من مرة. أدوار لم تكن وليدة العروض التي كانت تُقدَّم له بمقدار ما كانت تنفيذاً وترجمةً واعيةً لرغبةٍ وطنية يمتلئ بها هذا الرجل من أجل خدمة الفكرة/ الحلّ للبنانيين التي تنهض على مستوَيَين: الأوّل داخلي في مواجهة الأزمات التي يعانيها أهل البلد، والثاني وطني عام في مواجهة عدوان «إسرائيل» الدائم والمفتوح على وطنه. من هذا المنطلق جاء دور الزين في مسلسل «ظلّ المطر» (رمضان 2022 ) على شاشة «المنار» اللبنانية، إذ يلعب شخصية الحلاق أبو مرعي، الرجل الطيب الصّلب، والوطني الصادق خلال الأحداث التي تتناول الحرب السرية بين أمن المقاومة والموساد الإسرائيلي، خلال عامَي 2019 و2020، وما يستتبع ذلك من أحداث مشوّقة يتوفر كل منها على قصة حقيقية من محاربة إرهاب «داعش» إلى مواجهة الاختراقات الأمنية للمجتمع اللبناني وجُلُّها مُوجَّه إلى بيئة المُقاومة. توليفة فنية ماتعة وجادّة معاً، تشدُّ الانتباه عفواً إلى أنّ مسألة الحرب الباردة بين طرَفَين مُتنازعَين هي من الأفكار النادرة البحث والعرض في الدراما العربية، لما فيها من جهد استقصائيّ دقيق، مُحكم، ومسؤول يحتاج إليه النص كي يقنع المشاهد بموضوعيته وصدقه. وهو ما فعله كاتبه فتح الله عمر عطفاً على رؤية إخراجية نافذة العمق لشادي زيدان، مع مجموعة ممثلين معروفين: علي سعد، مجدي مشموشي، ماري تريز معلوف، حسن حمدان، خليل الحاج، حسن صباغ، سعد حمدان، نيللي معتوق، ألين لحود، مهدي فخر الدين، محمد شمص، وعدي رعد، ودائماً تحت رعاية وإنتاج «مركز بيروت الدولي للإنتاج الفني». أعطى أحمد الزين نكهة خاصة للمسلسل، اسماً وحضوراً. أكّد أنه رجلُ المعادلة الصعبة، الذي يضيف إلى الموقف الدرامي ويطور فيه، مُتفرِّداً لا مُنفرداً، مبتعداً بنا عن الرتابة والإضجار، مقترباً من أبعاد شخصية «أبو مرعي»، بما هو مخزون أدائي سواء في صمته أو في كلامه، يُجسِّرُ الصِّلة بين انفعالاته ومعانيها من جهة، وبينها وبين المُشاهِد من جهة ثانية، في الصّوت والنبرة والتوقيت، وبما يؤكد الفكرة التي يعبّر عنها في الحوار. إنه «أبو حسن» أحمد الزين.