يستحضر التونسيون في ذكرى يوم المرأة العالمي، يستذكر التونسيون رائد تحرير المرأة المصلح الاجتماعي الطاهر الحدّاد (1899-1935). كتابه «امرأتنا في الشريعة والمجتمع» الصادر في طبعته الأولى سنة 1930، شكّل صرخة احتجاج ضد الهيمنة الذكورية وتغييب المرأة وأسرها في البيت وتفرّغها للإنجاب وخدمة الزوج من دون تمكينها من التعليم أو تعلّم حرفة تمنحها استقلالية مالية. هذا الكتاب كان ثورة فكرية ألحقت متاعب نفسية ومالية بالطاهر الحدّاد الذي مُنع حتّى من العمل. جوبه الكتاب برفض كبير من المؤسسة الزيتونية (جامع الزيتونة) التي كانت تتمتع بسلطة اعتبارية كبيرة. وقد صدرت عشرات المقالات بل الكتب التي هاجمت الحدّاد إلى حدّ تكفيره وإخراجه من «ملّة الإسلام». ولم يجد مساندة إلا من بعض أصدقائه وهم قلّة قليلة. وبسبب هذا الكتاب الذي يحتفي به التونسيون منذ استقلال البلاد في 1956 وصدور «مجلّة الأحوال الشخصية»، عانى الطاهر الحدّاد الذي مات وحيداً بعد معاناة طويلة وشيطنة سبّبت له متاعب نفسية كبيرة.


فالطّاهر الحداد القادم من الجنوب إلى العاصمة التونسية الذي قضى تسع سنوات في الدراسة في «جامع الزيتونة» (أقدم جامعة عربية) تناول في كتابه مجموعة من القضايا المتعلّقة بالمرأة مثل الزواج والطلاق والحجاب والنقاب وتعدّد الزوجات وسن الزواج والميراث. دعا إلى ضرورة تعليم المرأة لتحصينها وعدم تزويجها مبكّراً وتمكينها من تعلّم حرفة لتحقيق استقلاليتها المالية. أمر اعتبرته الأوساط الثقافية والزيتونية «كفراً» في الوقت الذي كانت فيه دعوة الحدّاد ثورة ضد «تربيتنا الخاملة في الوسط العائلي الذي أخمد فينا روح المجد والطموح إلى المعالي، فنشأنا عاجزين كسالى سيئي الظن بأنفسنا. نفرّ من الكد وهو حياتنا. ونهوى القعود وهو موتنا» كما قال في كتابه.
لقد كان الحداد سابقاً لعصره وكتابه جزءاً من مشروعه للإصلاح الاجتماعي والتربوي الذي بدأه بكتاب آخر صدر سنة 1927وهو «العمّال التونسيون وظهور الحركة النقابية» وهو أوّل كتاب يتناول الحركة النقابية في العالم العربي.
وبعد معاناة الحدّاد في حياته من ضيم وظلم وإقصاء وشيطنة، تمّ تنفيذ مشروعه لتحرير المرأة وتحقيق استقلاليّتها بعد استقلال البلاد. إذ كانت «مجلّة الأحوال الشخصية» الصادرة في آب (أغسطس) 1956 ترجمة لأفكار الحدّاد بقرار سياسي من الزعيم الحبيب بورقيبة (1903ــــ 2000) أوّل رئيس للبلاد.
وفي الحقيقة، دعوات تحرير المرأة لم تبدأ مع الحداد فقط، بل كان حسن حسني عبد الوهّاب (1884-1968) أوّل من وضع كتاباً حول «شهيرات التونسيات» صدرت طبعته الأولى في 1920 وأُعيد نشره في أكثر من طبعة على غرار كتاب الطاهر الحدّاد الذي صدر في عشرات الطبعات في تونس وخارجها، وتمّت ترجمته إلى اللّغتين الفرنسية والإنكليزية. كما كان موضوعاً لعشرات الأطروحات الجامعية والكتب والأفلام مثل شريط «ثلاثون» لفاضل الجزيري وكتاب «المرأة والمشروع الحداثي في فكر الطاهر الحداد» للروائية والجامعية آمنة الرميلي، وكتاب الروائي والجامعي شكري المبخوت «تاريخ التكفير في تونس» الذي خصّص فيه فصلاً لمحاكمة الطاهر الحدّاد.
بعد حوالى تسعين عاماً على رحيله، ما زال الطاهر الحدّاد حيّاً في الشارع التونسي وفي وجدان التونسيين، في حين لم تحتفظ الذاكرة الجماعية بالذين نكّلوا به وتسببّوا له في متاعب نفسية ومادية، فالظلام لا يقوى على حجب نور الشمس والحرية.