في كتاب «البعثة الإسلامية إلى البلاد الإفرنجية/ وأسطورة الخلق» (دار الجمل ــ ترجمة: غسان حمدان)، ويضم رواية قصيرة ومسرحية أقصر، يسخر صادق هدايت من أفكار وتصورات شائعة عن رجال الدين، أو عن نوعية معينة من هؤلاء الذين يقوم بعضهم باحتكار مفاهيم الإيمان والمعتقدات لصالح تفسيرات تعسفية تحوّل تدّينهم نفسه إلى مادة جاهزة للضحك والسخرية.

لا يستحضر الكاتب الإيراني الذي يعتبر مؤسس الرواية الفارسية الحديثة شخصيات دينية حقيقية طبعاً، بل يؤلفها بحسب فكرته التي تتضمن مقارنةً بين الغرب الذي عاش فيه سنواتٍ طويلة انتهت بانتحاره في باريس عام 1951، وبين المشرق متمثلاً بدار
الإسلام.
الفكرة تبدو معقولة أكثر في زمن كتابتها، حيث كانت الحداثة تطرق أبواب العواصم الكبرى في الشرق الأوسط، والجدالات التي أثارتها حول ثنائية الشرق/ الغرب.
وتبدو معقولة أكثر في سياق مؤلفات صاحب «البومة العمياء» ورحلته القصيرة والمدهشة في عالم السرد والكتابة، وتبدو صالحة لما يجري حالياً في المنطقة باسم الإسلام.

تتألف الرواية من ثلاثة فصول قصيرة هي ثلاثة تقارير لمرافق البعثة الإسلامية التي أُرسلت إلى الغرب «من أجل نشر الدين الحنيف في العالم»، والمؤلفة من رئيسها «تاج المتكلمين»، ونائبه «عندليب الإسلام»، وعضوية كل من: «سكّان الشريعة»، و«سُنّة الأقطاب».
وإذا كانت ألقاب الشخصيات وحدها تبدو كافية لاستدراج القارئ وجعله مستعداً للابتسام، فإن وصف المراسل الصحافي لما جرى لهؤلاء في مهمتهم الجليلة (قد) تقلب القارئ على قفاه من الضحك. الرسائل نفسها مكتوبة بلغة تراثية قديمة تعزز مناخ السخرية، وتتناسب مع لغة الشخصيات، وتظل محتفظة بتأثيرها في القارئ العربي بعد ترجمة الرواية التي ستشهد مجموعة من المواقف والمفارقات المضحكة لشدّة البليّة التي تحتويها، إذْ يستطيب أفراد الفرقة الحياة هناك، وينسون المهمة التي جاؤوا من أجلها، وينغمسون في الملذات إلى درجة أنهم يسخرون من الموانع التي كانت تضعها شريعتهم.


تبدو الرواية
صالحة لما يجري
حالياً باسم الإسلام
وفي ذروة هذه المفارقات، سيُطلب من أفراد البعثة أن يمثّلوا في فيلم، ثم يصبحون جزءاً من برنامج سيرك في حديقة حيوانات. وبعد سنتين من تفرّق أعضائها في برلين، يلتقي المراسل بهم في حانة باريسية وقد تخلوا لا عن المهمة فحسب، بل عن معتقداتهم أيضاً، بينما تنتهي الرواية بشرب الجميع لنخب «البعثة الإسلامية» الضائعة.
أما مسرحية «أسطورة الخلق»، فهي مبنية على المنوال نفسه. استعادة قصة خلق آدم وحواء، وهما الشخصيتان اللتان تشكلان موضوع مجلس يضم «خالقوف»، ومعه الملائكة الخمسة: «جبرائيل باشا» و«ميكائيل أفندي» و«ملا عزرائيل» و«إسرافيل بيك» و«مسيو شيطان»، حيث سيرفض الأخير السجود لبابا آدم الذي سيحظى بشريكة هي ماما حواء، قبل أن يُطرد الاثنان من الجنة. الجو الساخر الذي صنعه هدايت في الرواية، يتكرر هنا أيضاً ببراعة هائلة في اللغة وتحويل الحكاية إلى كوميديا سوداء، والقارئ يواصل انطباعاته ذاتها في دهشة ممزوجة بالسخرية، إذْ تنتهي المسرحية باحتفال آدم وحواء بطردهما «من الحياة الرتيبة وعديمة الطعم في الجنة»، ويختفيان بين الأشجار للبدء بطقوس الجنس وإنجاب
البشر.