الرباط | عاشت مدينة الرباط قبل أيام ليلةً لن تُنسى على إيقاع حفلة غنائية كبيرة ومتميّزة، أحياها الفنّان البلجيكي ستروماي (1985) ضمن سهرات «مهرجان موازين: إيقاعات العالم» الذي دأبت العاصمة المغربية على احتضانه سنوياً، ويُختتم مساء اليوم. ستروماي، الملقّب بجاك بريل الجديد أو «الظاهرة»، قدّم خلال حفلته الأولى في المغرب عرضاً فنّياً باهراً على منصّة «السويسي»، توالت خلالها لوحاته الرائعة، المثيرة للإعجاب تصميماً وإخراجاً وأداء وموسيقى.


ألهبت حماس الحاضرين من مختلف الأعمار (183 ألفاً بحسب المنظمين)، خصوصاً حماس معجبيه الذين حجّوا بالمئات من مدن بعيدة لمشاهدته مباشرة وترداد بعضٍ من أغنياته الجميلة المحفوظة عن ظهر قلب.
اسمُه الحقيقيّ بول فان هافر، وُلد في بروكسيل عام 1985، من أمّ بلجيكية وأب رواندي كان يشتغل مهندساً معمارياً حين لقي مصرعه في التسعينيات، ضمن مئات آلاف الّذين قُتلوا في إبادة جماعية شنّتها «الهوتو» ضدّ «التّوتسي» خلال مأساة الحرب الأهلية التي عرفتها رواندا. حينها، كان ستروماي لا يزال في سنّ الحادية عشرة، وهي السن التي بدأت فيها رحلته مع الموسيقى بارتياد الأكاديمية الموسيقية في «جيتي» لتلقّي دروس في الصولفيج والعزف.


أغنيته Formidable أقرب إلى أسلوب العظيم جاك بريل
في عام 2000، اختار اسماً مستعاراً هو «أوبمايسترو» بهدف دخول عالم الراب، لكنه قام بتغييره في ما بعد، وقع اختياره على اسم جديد أكثر خفّة: ستروماي Stromae، وهو قلبٌ للمقاطع اللّفظية لاسمه السابق: Maestro. لاحقاً، في سنّ الثامنة عشرة، ألّف فرقة موسيقية، قبل أن يوقّع عام 2008 عقداً لمدة أربع سنوات مع «بيكوز ميوزيك و«كيلوميتر».
منذ إصدار ألبومه الأوّل «شيز» Cheese عام 2010، لمعَ اسم ستروماي بقوة باعتباره ظاهرة فريدة في عالم الموسيقى. هو يجمع بين التأليف والتلحين والعزف والغناء وإخراج مشاهد الفرجة وحتّى الإنتاج، واستطاع في سنوات قليلة وبألبومين فقط أن يخلق لوناً موسيقياً خاصّاً به، حقّق فيه معادلات موسيقية صعبة جدّاً، من النادر أن تحصل بمثل هذا الكمال، موفّقاً بين متانة النصوص وجدّة الألحان وروعة الغناء.
ورغم كلّ ما منحه هذا الألبوم من شهرة وتألّق، تجنّب ستروماي الوقوع في فخ إصدار الأغنيات التجارية، على غرار العديد من فناني الفرنكفون الذين سبقوه، رغم أنه يُعدّ من بين القلّة الّذين لقوا نجاحاً ساحقاً من أوّل قطعة. وكلّنا نتذكر أغانيه الأولى الّتي فتحت له الباب واسعاً إلى قلوب الجماهير، مثل أغنيته الشهيرة Alors on danse (هيا لنرقص)، Te quiero (أحبك) وأغنية House>llelujah .
أصدر ألبومه الثاني عام 2013 بعنوان «الجذر المربّع» Racine carrée الذي كرّس فعليّاً موهبته الكبيرة كمؤلّف موسيقي وملحّن ومغنّ، وقد باع منه حتّى الآن مليون ونصف نسخة. جمهوره في غالبيته من المراهقين والشباب، لكن لديه أيضاً جمهور متطلّب من الجيل الأكبر سناً، متذوّق لأغانيه ومراقب لنجاحاته بكثير من الفضول.
يتضمّن هذا الألبوم أغنيةً اشتهرت كثيراً هذه السنة تحمل عنوان Papaoutai (وهي عن ذكرى رحيل والده خلال الإبادة الجماعية لرواندا). لقيت نجاحاً هائلاً عبر العالم، مثلما نجح الكليب الذي أُعد لها بشكل مبتكر وأصيل. وهو فيديو سحر كثيرين وحقّق نسبة بلغت أكثر من 315 مليون مشاهدة حتى الآن. النجاح الكاسح نفسه شهدته أغنيته الرائعة Formidable، الأقرب إلى روح أسلوب العظيم جاك بريل لغةً وأداءً التي وصل عدد مشاهديها اليوم على اليوتيوب إلى حوالى 80 مليوناً.
موسيقى ستروماي الحائز جوائز عالمية عدة، تندرج في ما يُسمّى «البُوب الأخلاقي»، كما وصفها هو نفسه الأحد الماضي خلال مؤتمر صحافي أقامه في الرباط. لكن إيقاعاته تمزج بمهارة بين الموسيقى الإلكترونية والهيب هوب والإيقاعات الأفريقية وموسيقى العالم. ويُقدَّم اسمه باعتباره الوجه الجديد لموجة «البيت» التي انبثقت من موسيقى «الأندرغراوند» البلجيكية في نهاية الثمانينيات. أما عن كلمات أغانيه، فهي ذات نَفس شعري قويّ، تركّز في مواضيع قاسية ومعاصرة لكن بإيقاعاتٍ راقصة. كما لا يخفي أداؤه في بعض المواضع تأثّره المباشر بنصوص وأسلوب جاك بريل، البلجيكي هو الآخر، خصوصاً في كيفية نطق «الرّاء» المميّزة لدى الاثنين.

* حفلة ستروماي: 20:30 مساء 5 آب (أغسطس) ـــ «مهرجان بيبلوس الدولي» ـ byblosfestival.org

https://www.youtube.com/playlist?list=ALYL4kY05133rerQdafba-n3E0dx1MGYIV