مع بداية الشهر الحالي، أطلقت نتفليكس خمس حلقات تشكّل نصف الموسم الخامس (والأخير) من المسلسل الإسباني «لا كاسا دي بابل»، أحد أكثر المنتجات التلفزيونية مشاهدةً عبر العالم، على أن يتم بث الحلقات الخمس الباقية في الثالث من كانون الأوّل (ديسمبر). المسلسل الذي استلهم (في موسميه الأوّلين) عمليّات مقاومة استعراضيّة شنّتها «حركة إم 19» اليساريّة الكولومبيّة في السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي ونقلها إلى أجواء إسبانيّة، استنفد حكايته عمليّاً مع نهاية موسمه الثاني، قبل أن يستحوذ على حقوقه الأميركيّون في 2017. هكذا، أنتجوا ثلاثة مواسم ترفيهيّة متتابعة، لم تضف حتى الآن أيّ قيمة فنيّة إلى العمل رغم أنّها أضافت ملايين الدولارات إلى أرباح نتفليكس خلال السنوات الأربع الأخيرة عبر تسليع قيمة «المقاومة» وبيعها معلّبة لكل المسحوقين


ظهر «لا كاسا دي بابيل» بداية في 2017 كمسلسل على التّلفزة المحليّة الإسبانيّة. لم يحظَ وقتها بإقبالٍ استثنائي، مما حدا بالشركة المنتجة إلى إنهاء قصّته مع الموسم الثاني. المسلسل الذي تجري أحداثه في مدريد، يحكي قصّة ذات إيقاع سريع عن رجل غامض يُعرف باسم «البروفيسور» يجنّد ثمانية أشخاص يتّخذون ألقاباً حركيّة من أسماء مدن مشهورة (برلين، طوكيو، نيروبي، باليرمو، ريو...) لتنفيذ خطة طموحة تستهدف اقتحام مطبعة النقد الملكي الإسبانيّ والهروب بما يقرب من مليون يورو. بعد احتجازها 67 شخصاً كرهائن داخل المطبعة، تعمل مجموعة الاقتحام على إشغال قوات الأمن التي حاصرت المبنى لمدة 11 يوماً كي يتسنّى طباعة الحجم الكافي من العُملة لسرقتها. وفي هذه الأثناء، تكثر المفاجآت والانعطافات في الحكاية بالإفادة من تقنيّة السرد المرتجع (أي استعادة الماضي الذي أوصلنا إلى اللحظة الحاليّة)، وتغرق البصريّات في خليط مفتعل من الرموز والإشارات الثوريّة: الأزياء ذات اللّون الأحمر القاني، وقناع سلفادور دالي (نجم السرياليّة)، والسعي إلى تقمّص دور روبن هود معاصر: يسرق من النظام المتجبّر ويُطعم الفقراء، ومركزة شخصيّة البروفيسور (على نسق الريّس غوزمان زعيم «منظمة الدرب المضيء» الثوريّة البيروفيّة الذي رحل منذ أيّام وكان بروفيسوراً جامعيّاً مبجّلاً)، كما الصّدح بكلمات وموسيقى «بيلا تشاو» أغنية المقاومة الشيوعيّة الإيطاليّة ضد الفاشيّة. وذاك كلّه لتلوين الثيمة العامّة للمسلسل التي استلهمت بشراهة اللّصوص ـ ومن دون الإشارة إلى المصدر ــ عمليّات مقاومة استعراضيّة شنتها «حركة إم 19» اليساريّة الكولومبيّة خلال السبعينيّات والثمانينيّات من القرن الماضي (راجع الكادر). تتصاعد الأحداث على نحو يدفع المجموعة للعودة بعد نجاح عمليتها الأولى لاقتحام جديد، وهذه المرّة باستهداف المصرف المركزي حيث تحتفظ الدّولة الإسبانيّة بمخزونها من الذهب، والبقاء فيه لبعض الوقت من أجل صهر السبائك وتحويلها صيغةً تُسّهل تهريبها من مبنى المصرف المحاصر.
الأميركيّون التقطوا سريعاً الإمكانات الهائلة لهذا العمل الإسباني واشتروا بلا تردّد حقوق البث العالميّة للموسمين الأوّلين بعد ترجمتهما إلى لغات كثيرة، ومن ثمّ استدعوا فريق العمل مجدّداً لإنتاج ثلاثة مواسم إضافيّة خلال أربع سنوات، آخرها قدّمت منه خمس حلقات في بداية الشهر الحالي، على أن يستكمل عرض الحلقات الخمس الباقية في 3 كانون الأول (ديسمبر) المقبل.
وعلى الرّغم من أنّ نتفليكس طرحت المسلسل على منصّتها الرّقمية في 2018 من دون حملة تسويقيّة (تحت اسم يتّسم بكثيرٍ من التّسطيح هو Money Heist)، إلّا أنّه في غضون أشهر قليلة أصبح أحد أشهر المنتجات التلفزيونية عبر العالم، وأكثر المسلسلات الأجنبيّة – أي غير الناطقة بالإنكليزية - متابعةً على جميع منصات الستريمنغ الأميركية على الإطلاق.
أليكس بينّا، العقل المدبّر وراء «لا كاسا دي بابيل» ومنتجه التنفيذي، فسّر هذا النجاح الهائل للمسلسل خارج إسبانيا ـــ في حديث له ضمن وثائقي قدّمته نتفليكس عن المسلسل بوصفه ظاهرة ثقافيّة ــــ بوجود «ما يُشبه تماهياً فلسفيّاً بين الجمهور وثيمة العمل، تجاوزت حتماً مسألة التسلية أو الترفيه المحض». وفي الحقيقة، فإن الرّموز البصريّة والسمعيّة المرتبطة بقيمة «المقاومة» التي قدّمها المسلسل، تكرّر ظهورها في احتجاجات عامّة للمطالبة بحقوق مهدورة للأقليّات والنساء، وأيضاً تظاهرات للنّاشطين من أجل حماية البيئة، في أكثر من بلد عبر العالم.
تحت ظروف من القهر والحرمان والتمييز، فإن التماهي مع المقاومة يساعد المرء على الإحساس بأنّه يفعل شيئاً لمواجهة مضطهديه


ويبدو أن بينّا على صواب، إذ إنّ المعرفة – وفق فلاسفة الأخلاقيّات – التي تمثّل قيمة منبثقة من الفضيلة، تؤدي إلى نشوء قيمة عقلانيّة تدفع تجاه تبني مفهوم المقاومة والإعجاب برموزها. وتحت ظروف من القهر والحرمان والتمييز، فإن التماهي مع المقاومة يساعد المرء على الإحساس بأنّه يفعل شيئاً لمواجهة مضطهديه، ويقلّل من شعوره بالعجز والدونيّة تجاههم. هذا التماهي أيضاً يدفع إلى مزيد من التّفهم - معرفيّاً -، وبالتالي التّعاطف سيكولوجيّاً مع كل المضطهدين والمستضعفين والمظلومين بغض النظر عن مواقفهم التفصيليّة. فشخصيّة «برلين» مثلاً (يؤدّيها أندريس دي فونولوسا)، حظيت بشعبية واسعة لدى جمهور البرنامج رغم أنّه يكون في معظم الأحيان نرجسيّاً متعجرفاً وحتى فوقيّاً مع النساء، ويختلف اختلافاً جذريّاً عن شقيقه «سيرجيو» الملقّب بالبروفيسور الذي يلتزم بدقّة بالمعايير السلوكيّة الرفيعة مثل رفض إراقة الدّماء واحترام النساء والحفاظ على روح الفريق، وقد حظي بالشعبيّة كذلك. وعلى الرّغم من تناقض الشخصيتين الظاهر، فهما قبلتا جماهيريّاً كنماذج مقاوِمة للنظام أساساً: إذ نكتشف سريعاً بأنّ «برلين» والبروفيسور ينحدران من أسرة فقيرة، عانى كلاهما من اعتلال صحّي في صغرهما فيما أمضى والدهما وقته في التخطيط لسرقة البنوك سعياً لتمويل تزويد ولديه بأفضل العلاجات الطبية، وانتهى مقتولاً أثناء تنفيذه عملية سطوٍ فاشلة. مواجهة «برلين» والبروفيسور لظروف عيشهما السّلبية القاهرة وتحدّيها بالقوة والتفكير النقدي والإبداع والحكمة العمليّة، من خلال إجراء عمليات السطو الخاصة بهما بعد دراسة عميقة لآليات إنتاج الأموال ونظم إدارتها، ومن ثمّ إعادة توزيع الثروة والمعرفة بالاشتراك التضامنيّ مع مجموعة من الأشخاص المهمّشين على رصيف المجتمع. حوّلتهما معاً، رغم اختلافهما الظاهر إلى أيقونات مقاومة تمارس عملاً بطوليّاً جديراً بالتعاطف والثناء من قبل جمهور المستضعفين في مواجهة سلطات النظام، التي قُدّمت في المقابل كفاشيّات فاسدة تقودها شخصيّات بغيضة لا تتوانى عن ليّ عنق القانون أو استخدام العنف أو حتى الخيانة لأسباب فرديّة منحرفة غالباً.
والحقيقة أنّ «لا كاسا دي بابيل» جاء على خلفيّة من الغضب الذي تجمّع لدى جمهور معولم (في الغرب كما في دول العالم الثالث) بعد أزمة 2008 الماليّة العالميّة التي أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك فشل النيوليبراليّة وإفلاس النخب الأخلاقي، وتآمرها ضدّ مواطنيها، وراكمت مشاعر العداء للحكومات والبنوك المركزيّة وأجهزة الأمن وللأنظمة الحاكمة ككل. وعلى ظهر موجة الغضب تلك، والغياب التام لليسار، تمكنّت التيارات الشعبويّة اليمينيّة في الغرب من الحصول على دعم شعبي غير مسبوق منذ ثلاثينيات القرن العشرين، عندما وصل النازيّون إلى السلطة في ألمانيا عبر انتخابات ديمقراطيّة نزيهة، مكّنها من السّلطة أو أقلّه نسبة وازنة من التّمثيل البرلماني، فيما سهّل تفجّر موجات احتجاج شعبيّة في عواصم عدة وثورات (ربيع ملون) عبر العالم العربي.
هذا بمجمله قد يفسّر حالة الشعبيّة الجارفة التي حظي بها جانب (اللصوص الأشرار نظريّاً) من شخصيّات المسلسل، لا سيّما بين شعوب ومجموعات تعاني شعوراً بالتأزّم والعجز والدونيّة تجاه ظروف اقتصادية أو تمييزيّة قاهرة: الطبقات الفقيرة، والنساء والأقليّات والخاضعون للاحتلال، كما منسوب الطبقة الوسطى الذين تهشّمت طموحاتهم بالتبرجز والصعود الاجتماعي بعد الأزمة المالية العالمية.


لكنّ هذه الأدوار المُقاوِمة التي انطلت على كثيرين، ليست إطلاقاً نتاج عمل توعوي ثوريّ الغايات بقدر ما هو سرقة موصوفة لفكرة (عمليّات جريئة نفّذها تنظيم M-19 الكولومبي لسرقة الأسلحة من مستودع عسكري في بوغوتا عام 1978 ومن ثم الاستيلاء على سفارة الدومينيكان لدى كولومبيا في 1980. يستعيرها المسلسل من دون أدنى إشارة، جنباً إلى جنب مع عديد من تكتيكاته (الروبن هوديّة الطابع) ومواقفه وهياكل الأدوار فيه وحتى شخصيات الأفراد القياديين وعلاقاتهم ببعض، وتوظيف شكليّ لرموز ثوريّة لفّقت معاً من دون منطق. مثلاً لماذا يستخدم لصوص أموال أغنية مؤدلجة سياسياً للتعبير عنهم؟) وتسليع تام لـ «قيم المقاومة» وإفراغها من المضمون على أيدي بورجوازيين يستهدفون الربح. تابع نتفليكس لترضي شعورك بالتعاطف مع مقاومة الأنظمة. ولم يتوانوا لحظة عن بيع مشروعهم لشركة أميركيّة، هي ذراع ثقافيّة للإمبراطوريّة الأميركيّة، بل ارتكاب خيانة للقصّة الأصليّة ذاتها عبر تمديدها مواسم عدة لأغراض الترفيه من دون أيّ قيمة فنيّة إضافيّة. ولعل تصريحات فريق الفيلم في عشق «إسرائيل» وتأييدها المطلق ـــ وهي النموذج الكلاسيكي لمفهوم نظام القمع والقهر والعدوان والعنصريّة ـــ إنما هو كشفٌ إضافيّ عن طبيعة هذه الظاهرة الثقافيّة الخطرة للمتاجرة بعواطف المهمّشين وخلفيّة القائمين عليها.
في نصف الموسم الخامس الأخير، تستمر عمليّة اجترار مسألة احتجاز الرهائن داخل بنك إسبانيا التي بدأت في الموسم الثاني، لكن «لا كاسا دي بابل» لم يعد معنياً بسرقة ذهب الدّولة في إطار حرب إستراتيجية بقدر ما أصبح الآن ملحمة حربيّة تامّة يلتحق بها الجيش الإسباني نفسه. إيقاع السرديّة بطيء، يتراجع خطوتين إلى الوراء مع كل خطوة يخطوها إلى الأمام، ولكن في إطار أجواء بصريّة آسرة، وتصوير سينمائي يخطف الأنفاس، ولحظات ملونة من الفكاهة والغراميّات الملتهبة بين أفراد قبيلة اللصوص بشخصيّاتهم اللاتينيّة الشغوفة والمشغولة بحرفيّة تعلّقنا بها مع مرور الوقت. وحتى الأبطال الراحلون مثل «برلين» – أو الذين يرحلون في هذا الموسم – يبقون معنا دائماً من خلال الاستعادات المطوّلة (الفلاش باك)، فكأنّهم أقوى من الموت نفسه. ويجد البروفيسور نفسه في تحالف غير مستقر - إثر مواجهة مؤلمة - مع أليسيا سييرا (نجوى النمري) التي أدانها رفاقها كخائنة وتحاول القبض على البروفيسور لتبرئة اسمها.
وفي انتظار الحلقات الخمس الأخيرة بعد ثلاثة أشهر، فمن الواضح أن فريق العمل وبينّا تحديداً سيفتحان الباب مشرّعاً في الخاتمة لإطلاق خطوط سرد قد تُبنى عليها سلسلة أعمال مشتقة من «لا كاسا دي بابيل»، مستفيدين من شعبيّة المسلسل الأسطوريّة وتأسيسهما الساطع في أذهان الجمهور المعولم حقيقة أنّ الحكايا الأجمل يمكن أن تأتي من إسبانيا أو من أي مكان، وليس بالضرورة من أكناف هوليوود وما حولها.

La Casa de Papel
على نتفليكس


كولومبيا الإلهام والفكرة
كانت أوّل إشارة إلى أنّ «لا كاسا دي بابيل» مستوحى من تجربة «إم 19» في وقت مبكر من الموسم الأوّل أثناء التحضيرات المطوّلة التي أجراها البروفيسور للمجموعة. كانت التوجيهات عندئذ سياسيّة صريحة: يجب تجنب إراقة الدماء من أجل كسب الجمهور، محذراً من أنه بمجرد سقوط أوّل قتيل «سنتوقف عن أن نكون روبن هود وسنصبح مجرد أبناء سيدات سيئة السمعة». وإشارة «روبن هود» ترتبط بالعمليّات الأسطوريّة للتنظيم الكولومبي، الذي كان يقوده القائد خايمي بيتمان. مقاتلوه كانوا يسيطرون على شاحنات مليئة بالحليب والطعام والألعاب ويرسلونها للتوزيع على سكان أفقر الأحياء في كولومبيا. وبالفعل، يتولى رفاق البروفيسور في الموسم الثاني إسقاط 140 مليون يورو من منطاد على وسط مدريد. ومن الواضح أن العنف أو التهديد به، لم يكن عند البروفيسور ولا «إم 19» غايةً بحد ذاته، بقدر ما كان وسيلة لتحقيق غايات أسمى.
وبحسب المفكر الكولومبي داريو هيدالغو، تتطابق العمليتان في مطبعة النقد الملكي وبنك إسبانيا في المسلسل مع عمليّة استيلاء تنظيم «إم 19» على 5000 بندقية من مستودع الأسلحة في بوغوتا (اشتهرت بعمليّة كانتون نورتي) عام 1978. وقد فرّ مقاتلوه حينئذ مثل رفاق البروفيسور عبر أنفاق شقّت تحت الأرض، ثم احتلال سفارة الدومينيكان في العاصمة الكولومبيّة عام 1980 واتخاذ رهائن بغرض إطلاق سراح أعضاء التنظيم من منفذي «كانتون نورتي» الذين سقط بعضهم في يد السلطات، وفضح أساليب التعذيب التي تعرضوا لها. وعلاوة على ذلك، فإن العلاقة بين البروفيسور وفريقه ومع برلين ــ الرجل الثاني في القيادة ـــ تتطابق بشكل مذهل مع علاقة العمل بين بيتمان ومقاتلي التنظيم؛ والشخصية المثيرة للجدل إيفان مارينو أوسبينا، الرجل الثاني في القيادة. أعطى القائد بيتمان الأوامر في كثير من الأحيان من مسافة بعيدة، شارك أوسبينا في العمليات بنفسه. ومثل برلين، كان أوسبينا شخصية متقلبة. وفي أوائل عام 1985، أجبر على التنازل عن قيادة مجموعة الـــ 19 من أعضاء البرلمان بعدما صفّق علناً لتهديدات تجّار المخدرات ضد الدبلوماسيين الأميركيين الذين يعيشون في كولومبيا. ويتطوّر مصير برلين ليلقى حتفه في اشتباك مع الأمن، تماماً مثل أوسبينا الذي قتل عام 1985، في خضم تبادل طويل لإطلاق النار مع قوات كولومبية حاصرت منزله الآمن في كالي.
وقد اعترف أليكس بينا واضع السيناريو في مقابلة له مع قناة RCN التلفزيونية الكولومبية بأن كولومبيا لعبت دوراً هاماً في عمليته الإبداعية. وفي ربيع عام 2020، نقل عنه قوله بأنّه كتب الحلقتين الأخيرتين من الموسم الثاني في سانتا مارتا، مسقط رأس بيتمان القائد التاريخي لتنظيم «إم 19».