في صيف 2010، أي قبل 11 عاماً، بدأت تتمظهر في بيروت، أولى «بشائر» الاحتكار الرياضي مع دخول شركة MK ELECTRONICS على خطّ بيع حقوق مشاهدة مباريات كأس العالم 2010. وقتها، انتشرت قصّة رجل أخذ يتلصّص لمشاهدة إحدى مباريات كرة القدم المعروضة في مقهى شهير. وقتذاك، استوقف المشهد المتابعين: رجلٌ لا يملك المال لمشاهدة مباراة رياضية، ولا كلفة المقهى. حادثة أنذرت بدخولنا عصر احتكار هذه اللّعبة الجماهيريّة وزمن الدفع مقابل المشاهدة. الاحتكار الرياضي الذي بدأ في التسعينيّات، مع شبكة ART السّعودية، عاد وانتقل إلى الربوع القطرية، وتحديداً إلى شبكة beIN SPORTS، لتتوسّع بدورها، في منطقة الشرق الأوسط وتنتزع حقوق البث، للبطولات الأوروبيّة، و«كأس العالم»، و«كوبا أميركا»، وتصل كلفة مشاهدتها في لبنان إلى 600 ألف ليرة، ما خلا كلفة جهاز «ريسيفير» الذي يصل إلى 150 دولاراً أميركياً. هذه التمظهرات التي باتت مألوفة في عالمنا العربي، وفي بيروت التي ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية غير مسبوقة، انسحبت أيضاً على المشهد الإعلامي، وتحديداً التلفزيوني. حُرم المتابع من أدنى حقوقه في الاستحصال على حصّته من التّرفيه، مع دخولنا قطار الاحتكار الذي انتقل من الشاشة إلى منصّات التدفّق الإلكتروني، لتنضم هذه الأزمة إلى غيرها من الأزمات التي تحرم اللبناني أبسط حقوقه المعيشية والإنسانية.

بدأت بوادر هذا الاحتكار تلفزيونيّاً، عام 2009، مع دمج شركتيّ «أوربت» و«شوتايم» وخروج مشروع OSN، المشفّر والمدفوع، بعدما كانت «أوربت» السعودية أول قناة مدفوعة في العالم العربي. في الحديث عن البث التلفزيوني، تتمركز كلّ من أسواق مصر (18%) والسعودية (17%)، والإمارات (14%). بلدان استحوذت على أكبر عدد من القنوات التلفزيونية، وانتقلت اليوم، إلى عصر التدفّق الإلكتروني والمشاهدة حسب الطلب، على غرار ما بدأ في الغرب. في نهاية 2018، أخرجت «الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية» في مصر، أي التّابعة للسلطات المصرية، تطبيق Watch it، الذي انصبّت عليه كلّ الإنتاجات المصرية، مضافاً إليها كلاسيكيّات السينما المصريّة. تطبيق استحوذ على سوق المشاهدات العربية، وحرم الملايين من متابعة الأعمال الدّرامية، سيّما في المواسم الرمضانية. حتى أنّه دخل برامج المنوّعات، فباتت الحلقات التلفزيونيّة لبرامج الحوارات الفنيّة وغيرها والمعروضة على القنوات التابعة للشركة أي dmc وcbc، وon، و«الحياة»، غير قابلة للمشاهدة مرة جديدة، سوى على هذا التطبيق المدفوع بشكلٍ مسبق. يضمّ الأخير حسب إحصاء منشور عام 2019، أكثر من 650 ألف ساعة ترفيهيّة من الأفلام والمسلسلات والبرامج. وقد تعاقد، مع أكثر من 100 علامة إعلانية تجارية، وتعاون كذلك قبل عامين مع شركة Fawry Pay، المتخصّصة في مجال التكنولوجيا الماليّة لجني الاشتراكات الشهرية في مصر والعالم العربي، وقد وصل في تلك الفترة عدد المشتركين فيه إلى مليون ونصف المليون.

محروم من مشاهدة المباريات وبرامج المنوعات وحتى الأفلام والمسلسلات والكلاسيكيّات


وكان لافتاً إبّان الموسم الرمضاني الماضي، استعادة مصر دورها الرّيادي في الإنتاج بعد تخبّطٍ مرّت به، وخسائر مُنِي بها القطاع الإنتاجي تخطّى الأربع مليارات جنيه عام 2015. حقّقت «الشركة المتحدة» إيرادات هذا العام، هي الأعلى في تاريخ الدراما المصرية، إلى جانب عقد التّطبيق شراكات مع الهيئات الوطنية لحفظ التراث وإتاحتها على منصّته. على المقلب السعودي، وعلى غرار الفورة التي أحدثتها «نتفليكس» عالمياً ، ودخولها عام 2019 على خط إنتاج أعمال أصلية ناطقة باللغة العربية، أُعيد إحياء تطبيق «شاهد» (انطلق عام 2008)، عام 2020 بحلّة جديدة وزخم غير مسبوق. تطبيق استطاع بسرعة قياسية، التغلغل في المشهد العربي الدرامي والإخباري والتسويقي لسياسات السعودية. استثمر في الإنتاجات الأصلية، واستقطب أسماء هامّة على خريطة الدراما العربية، واستحوذ على حقّ البث الحصري على منصته، وقدم محتوى باللغة الإنكليزية للعالم الغربي، وترجمات أيضاً من العربية إلى الإنكليزية لإنتاجاته الخالصة. كما أدخل السياسة إلى ربوعه بشكلٍ غير مباشر عبر الخطوط الدرامية، أو من خلال تشبيكه مع قنوات سعوديّة هامة على رأسها «الشرق» التي يملكها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وأبرم كذلك العام الماضي، شراكات واسعة مع علامات تجارية هامة، عالميّة وإقليمية. ومع إطلاقه خدمة «شاهد VIP»، لوحظ - بحسب رئيس المحتوى في التطبيق السعودي جاكوب ميجلهد أندرسن-، أنّ 50% من عمليات التشغيل للمحتوى تمّت عبر شاشات التلفزة الكبيرة، وتلك المدمجة بالأجهزة التلفزيونية الذكية، بما معناه أن تلك التطبيقات الإلكترونية، قد حلّت بالفعل مكان التلفزيون التقليدي، وباتت هذه الشاشات تستخدم للمشاهدة عبر الإنترنت. وفي لبنان، تجربة مختلفة، بدأت عام 2018، مع دخول بعض القنوات المحلية مرحلة الدفع المسبق على منصاتها الإلكترونية. lbci كانت أوّل الدّاخلين في هذه اللعبة، علّها تجني عائدات مالية، مع طرحها مشاهدة بعض برامجها الأرشيفية، مقابل دفع مبلغ شهري أو سنوي بالدولار الأميركي. انسحبت هذه الظاهرة على «الجديد»، وotv، وبقيت mtv، خارج لعبة الدفع المسبق للبنانيّين، وحصره فقط بالقاطنين خارج الأراضي اللبنانية. تجربة لم يُكتب لها النجاح، لفقدانها أدنى مقوّمات السوق التلفزيوني المدفوع، وغياب الإنتاجات الخاصة بالعالم الإلكتروني، يُضاف إليها ضعف البرمجة وغياب الاستقطاب نظراً للأزمات الاقتصادية والمالية التي خنقت هذه المنصات وما زالت. هكذا، إضافة إلى الأزمات التي تزنّر المواطن العربي وتحديداً اللبناني، الذي بات هاجسه اليومي التفتيش عن لقمة عيشه، حُرم بدوره من متعة الترفيه، ومشاهدة المباريات، وكذلك من برامج المنوعات وحتى الأفلام والمسلسلات والكلاسيكيّات على شبكة «نتفليكس» مثلاً، بعد أزمة الدولار وامتناع المصارف عن إعطائه للمودعين (بسبب الدفع عبر البطاقة الائتمانية). حرمانٌ يُضاف اليوم إلى أزماته، بعدما شكّلت هذه المساحة متنفّساً له، وهروباً من واقعه المرير.
هكذا، يُحاصر المتابع، بأخطبوط من المال والاحتكار يمتدّ عربياً إلى عالم الترفيه والدراما، فتُتاح أمامه لقطات صغيرة من برنامج فنيّ حواري على شبكات التواصل الاجتماعي، ويدعوه الفيديو إلى متابعة بقيّة الحلقة على أحد التطبيقات المذكورة آنفاً، فيقف حائراً في واقعه الجديد، ويتأكّد بأنّه بات خارج هذا العالم، وببساطة رُكل إلى غير رجعة لأنه ببساطة ليس لديه حساب بنكي بالدولار، وينتمي إلى قاعدة
الفقراء!