راوٍ، مذكّرات، أحداث تدور في الليل، شذرات من ماضٍ مؤلم، صور تتحدّث عن دينٍ تمّ سداده بموجب القانون، الوجه المعذّب لأولئك الذين ما زالوا يبحثون عن الخلاص في زمن يدور بلا هوادة، ورجل يقضي حياته في العدّ: سنوات، أيام، ساعات، كيلومترات، أرقام، وجوه، بطاقات... فقط لتمضية الوقت، لمنع نفسه من المشي في خطٍّ مستقيم. نعم إنه فيلم بول شريدر الذي يكشف البئر الأخلاقي لأميركا الحديثة، بصرخات رمزية ثلاث: «يو أس. أي... يو. أس. أي... يو. أس. أي».

بعد ما يقرب العقدين من الزمن منذ فيلم «سائق التاكسي» (1976) الذي وضعه على طريق المجد، عاد كاتب السيناريو والمخرج بول شريدر إلى القمة السينمائية بفيلم «عدّاد الورق» (2021). ملحمة تدين أخلاق المحاربين في حرب العراق. عالم خفي يشرحه شريدر، عاكساً أزمة القيم التي تسود المجتمع الأميركي اليوم. بيدٍ يعلّق على الوضع الاجتماعي والسياسي، وبالأخرى يشرّح الروح البشرية. يوجّه شريدر نقداً شرساً لراهن أمّته: أميركا كجحيم مليء بالشّره الاستهلاكي، أرض قاحلة منزوعة الإنسانية، سيرك بشع مليء بالنزوات والأرواح المفقودة.
يقول الشخص الغامض في هذه الحكاية الأميركية الحديثة إنّه يُدعى ويليام تيل (أوسكار إسحاق)، أمضى وقتاً في السجن، تعلّم عدّ الورق، وقرأ للمرّة الأولى في حياته. وها هو اليوم يستخدم مهاراته المتطوّرة لكسب عيش مقبول من خلال لعب القمار في الكازينوهات المتواضعة. يستفيد من مهاراته جيداً من خلال التجوال في كازينوهات أميركا والمشاركة في دورات البوكر. لا يسمح لمديري الكازينو بطرده لأنه يعرف كيفية الحفاظ على الأهداف المتواضعة: هو يراهن قليلاً، يفوز (ويخسر) قليلاً، ويتحرك بعيداً عندما تتعقدّ الأمور. يلعب كل بطاقة بعد احتساب الاحتمالات، وتمتد هذه الحسابات إلى تقييم المخاطر في كل شيء يفعله في حياته.
«البوكر مسألة انتظار» وكذلك سينما بول شريدر، الذي يخلق شخصيات متوازنة ويضعها على الحافّة. حافّة القفز في الفراغ. تيل، يشعر بالذنب، تسكنه رغبة جامحة في الخلاص. هدوؤه الظاهر يُخفي نيراناً داخلية يصعب السيطرة عليها، وجريمة من تلك التي لا يمكن محوها، لا لرجل ولا لأمة. من دون الدخول في التفاصيل، فإن حرب العراق، خصوصاً سجن أبو غريب، لها علاقة كبيرة بما يوجد تحت طاولة القمار. نتحدث هنا عن المسؤولية الفردية والاجتماعية تجاه أفعال لا يمكن تبريرها، ولا يمكن التخفيف من عبئها. لا لقاء وي

شريط يشرّح أزمة القيم من بوابة حرب العراق

ليام بسيرك (تي شيريدان) الصبي الذي تحرّكه نيرانه الانتقامية، ولا لقاؤه ليندا (تيفاني هاديش) يوقظ فيه شيئاً نفسياً وجسدياً، كان ويليام وضعه تحت المراقبة والاحتمالات لفترة طويلة، وظلّ يدور ويدور في دائرة الحياة. ما استيقظ داخل ويليام، سيحرّك آلة انتقامية لا يمكن إيقافها.
عالم الكازينوهات عند شريدر بعيد كل البعد عن السحر، هو واجهة فقط لأمة ومواطنين محبطين وكئيبين داخل عالم مزيّف بأضواء النيون والأسقف المنخفضة التي تتباهى بالأمان والبهجة. يجمع شريدر كل الموضوعات في نقد عميق للنفسية الأميركية وعواقب العمل العسكري. غموض «عدّاد الورق» هو عرض لأمّة، يبدأ بالإدمان على ألعاب القمار ويخرج إلى السياسة، لأنّ سجّادة القمار الخضراء ملطّخة بدماء «الحرب على الإرهاب»، وشريدر يعلنها بوضوح: أميركا المُدانة من رأسها حتى أسفلها. يشعر شعبها أن الماء يصل إلى أعناقه. ما حصل في سجن أبو غريب، ليس مجرّد تفاح فاسد تمت إزالته/ محاكمته، بل إنّ السوس موجود في السلّة نفسها. شريدر بارع في التعامل مع الأزمات الوجودية التي يعانيها الرجال المضطربون. هؤلاء الذين يعيشون عزلةً إنسانية دفعهم النظام إليها. روح الفيلم ليست فقط نقدية، بل وجودية. ويليام لم يساعده عدم الإفلات من العقاب: هو محطّم وعاجز عن تجاوز أخطائه السابقة. نتيجةً لذلك، فهو غير قادر على منح نفسه السلام، ناهيك بالبدء من جديد، بسبب النموذج السياسي والاجتماعي، الذي تتعفّن فيه السلال أكثر من التفاح. لأنّ من هم في الأعلى (ديك تشيني مثلاً، الذي أصرّ شريدر على وضع تصاريحه أكثر من مرة) يشجّع الجنود على تنفيذ أبشع الفظائع. وفي النهاية، الجنود هم كبش الفداء، من ظهرت وجوههم في الصّور فقط، ومن هم أعلى رتبة منهم لا يدفعون الثمن. ومع ذلك، يوضح شريدر بأنّ أي شخص يمكن أن يجد في نفسه غريزةً بدائيةً تجاه العنف والقمع بغض النظر عن الأوامر التي يتلقاها.
شريدر يمتلك كلّ أسرار اللّغة السينمائية. لاعبنا الكبير يخلط الأوراق باستمرار ويعيد توزيعها. عندما نعتقد أنّنا أمام فيلم صغير مبني على السيناريو فقط لا الصورة، يأخذنا المخرج فجأة نحو الكابوس، إلى سجن أبو غريب من خلال تقنيات بصرية وشاشة مشوّهة. وعندما نعتقد أننا أمام فيلم تم الاعتماد فيه على طريقة التصوير فقط، تخرج الموسيقى والصوت لتعيدنا إلى الدوران من جديد. وإذا اعتقدنا أننا نتجوّل داخل كازينوهات «أتلانتيك سيتي» و«كابيتول سيتي» بعيداً عن الأضواء المتلألئة في لاس فيغاس، فإن شريدر يعيدنا إلى جمال تركيبات الإضاءة الرائعة. وإن كانت اللعبة هي السينما، فإنّ اللاعب الحقيقي الذي لا يوصف، البطل القادر على السيطرة على كل لحظة من اللعبة، ويعرف كل حركة وكل قاعدة وأكبر سرّ خفي في الوسط، ليس سوى بول شريدر. مخرج وكاتب لا يزال قادراً على تجديد فكره السينمائي وأسلوبه، ولا يخون رؤيته. أخذ المفاهيم السينمائية إلى أقصى الحدود، ورفع الوسائط المرئية إلى مستوى أشد تعقيداً وغرابةً. وأوسكار إسحاق استثنائي في دور الرجل المعذّب الكلاسيكي: بقدر ما هو صامت، بقدر ما يغلي من الداخل. عيناه تقولان كلّ شيء. تقاسيم وجهه، عندما يتوتّر، تكشف الخبايا. روى أوسكار إسحاق كل شيء من خلال عينيه الكبيرتين ونظرته القاتمة. وقدّم شريدر فيلماً كاملاً لا تشوبه شائبة، يقنعنا فيه بعد الخروج من الصالة أن السينما ما زالت بخير.
لكن قبل أي شيء، يذكرنا بول شريدر بواحد من الجروح المفتوحة لأميركا المعاصرة، تلك الصور التي خرجت من سجن أبو غريب، كشفت كيف تعرّض «الإرهابيون » المزعومون للتعذيب والإهانة والسخرية في السجون السرية على يد الجنود الأميركيين، وهم يستمتعون مثل أبطال الألعاب الأكثر فظاعة وفتكاً. بعد عشرين عاماً بالتحديد من اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر)، يعيدنا بول شريدر إلى تلك الصور التي يبدو أنها منسية، لم يدفع ثمنها سوى الجنود، في حرب يبدو أنها لا تجد نهاية لها.
صنع بول شريدر فيلماً مناهض للبوكر. ليس هناك بريق في لعبة «البلاك جاك»، فقط روتين الانتظار، والمعادلات الرياضية التي تتكرّر وتتكرّر في دوائر متحدّة المركز حتى يصبح فيها العقل الفارغ جاهزاً لتحرير نفسه من جروحه. شريدر قادر على أن يقودنا إلى قلب الدراما البشرية المخيفة. يرفض خداعنا ويكشف حقيقة صورة أميركا اليوم.

The Card Counter
في الصالات