تبحر الكاميرا من المرفأ باتجاه البحر ومنه إلى بيروت. ستسلك بعدها طرقات جبلية، وأخرى من تلك التي يعتمدها سائقو الشاحنات العاملون في المرفأ. في شريطه التسجيلي الثاني «الحوض الخامس» (84 د - 2011)، يتتبّع سيمون الهبر (1975) سيرة والده وطرقاته باتجاه العاصمة، وستوصلنا بدورها إلى بيروت ستينيات القرن الماضي، وبعدها خلال الحرب الأهليّة. إنها حقبة من تاريخ المدينة، تقوم على سير أبنائها القادمين من الأرياف، يدخلها المخرج اللبناني من وجوه وذكريات سائقي الشاحنات في المرفأ الذين سيستعيدون طوال الشريط قصصهم عن تلك المساحة المطلّة على البحر. من قصّة والده، ينتقل الشريط إلى حكايات وجلسات سائقي الشاحنات في المرفأ، والظروف الاجتماعية والهواجس الفرديّة التي دفعتهم للعمل في هذه المهنة. يسير الشريط على إيقاع المرفأ وشاحناته وحيواناته وآلياته، ووجوه العاملين فيه. من المرفأ بوّابة بيروت البحرية، يعبر الهبر إلى تاريخ لبنان والاقتتال الطائفي والذكريات الجميلة لجيل من العاملين على المرفأ منذ الستينيات. تستعيد ألسنة السائقين بيروت في تلك الحقبة، وصالات السينما والأفلام المعروضة هناك، قبل أن تبدأ الحرب، وتحضر تواريخ مثل السبت الأسود لكن من وجهة نظر عمّال المرفأ الذين أسهموا في حمايته من تأثيرات الحرب. لن تكون مشاهدة الفيلم قبل انفجار المرفأ، مثلها، عند مشاهدته بعد انفجار الرابع من آب، خصوصاً أن الشريط يقوم على تلك العلاقة الحميمة والطويلة بين العمّال والسائقين من جهة، والمرفأ من جهة أخرى. الشريط التسجيلي تعرضه حالياً منصّة «أفلامنا»، بالإضافة إلى وثائقيّ أحداثٍ للمخرج اللبناني هو «إعادة تدمير» (كتابة بترا سرحال وسيمون الهبر). في الشريط الجديد (42 د – 2021) يحضر تفجير مرفأ بيروت لينكأ سلسلة طويلة من محطّات التدمير التي طاولت مبانيَ وأحياء في بيروت، خصوصاً بعد انتهاء الحرب الأهلية. وإذ يتّخذ الشريط عنوان إعادة تدمير، فإنه يشير بسخرية مرّة إلى فترة إعادة الإعمار التي قضت على ملامح المدينة التي لم تقدر الحرب على تدميرها.
يتّخذ الشريط عنوان «إعادة تدمير» ليشير بسخرية إلى إعادة الإعمار التي قضت على ملامح المدينة


صوت الراوية يعيد تخيّل المدينة داخل سورها سنة 1821 بالاستناد إلى نصوص «قبلتي الأولى» للمخرج اللبناني محمد سويد، ورواية «بيروت تحت الأرض» لربيع جابر، و«حارث المياه» لهدى بركات، ونص «حين خرجت أصواتنا من تحت الكمامات شبيهة بأنين المدينة» لبانة بيضون. تترافق شهادات المشاركين عن تاريخ بيروت، مع مشاهد من أبنية وعمارات، بداية من التياترو الكبير الذي عمّره المهندس يوسف أفتيموس في الثلاثينيات من القرن الماضي ووجوده على التقاطع بين شارعَي المعرض وشارع الأمير بشير. تنتقل اللقطات إلى وسط المدينة، من الأعلى، وتمرّ على تواريخ بعض الأبنية مثل سينما الأوبرا (الفيرجين ميغا ستور) للمعمار بهجت عبد النور، وسينما «ريفولي» التي لم تسقط إلا بتفجيرات تولّاها الجيش اللبناني في فترة إعادة الإعمار، ومبنى «السيتي بالاس».
تمرّ تلك المشاهد مع شهادات لمحامين وصحافيين ومعماريين وسكان من دون أن نرى وجوههم، من بينهم المعمار اللبناني رهيف فياض الذي يشير إلى ما يكاد يختصر سياسات الإعمار والهدم، وهي الادّعاءات بأن المبنى مهدّد بالسقوط. هذا ما كانت تتخذه الشركات العقارية، خصوصاً «سوليدير» ذريعة لهدم المباني بدل ترميمها. يدخل المشاهد إلى ساحة البرج التي افتُتحت سنة 1884، عبر مشاهد بصرية هي صور فوتوغرافية، ولقطات جوية لوسط البلد خلال السبعينيات، وخرائط ورسوم هندسية تعيد بناء ما تهدّم. تنتقل بنا المشاهد والصور الأرشيفية إلى بداية التسعينيات، حيث يسهل رؤية ما خسرته الساحة والمدينة، منها سمة العمران الأساسية التي كانت تفرض على العمارات أن تقوم هي باللحاق بالناس وإيقاعهم وحاجاتهم لا العكس. من المدينة ووسطها يصل الشريط إلى الأحياء المجاورة، مثل الجميزة ومار مخايل والكرنتينا برفقة مشاهد وتفاصيل من تلك الأحياء ووجوه سكّانها. هكذا يعرّف الشريط المشاهد إلى سياسات المستثمرين والمطوّرين العقاريين في استهداف الأبنية التراثية، منها الحفاظ على واجهتها فقط والارتفاع بالطوابق إلى الأعلى، ما يقضي على النسيج الاجتماعي... كلّ ذلك بحماية القوانين التي تولي اهتمامها الأكبر لتجار البناء. وإذ يأتي الشريط الآن بعد انفجار المرفأ، الذي هدم وهدّد أحياء بأكملها في العاصمة، فإنه يحذّر مما يهدّد المدينة وسكّانها مجدّداً، من خلال مقدّمة استعاديّة لسياسات الإعمار والتدمير، والتي يختصرها رهيف فياض بطفرة الأبنية التي لا تتسع للسكن، بل تبقى خالية كما حال الكثير من الأبنية في العاصمة.

* «الحوض الخامس» و«إعادة تدمير» متوافران مجّاناً على موقع «أفلامنا» ـــ https://www.aflamuna.online