يكفي أن نقرأ عناوين أفلام برهان علوية لكي نفهم تاريخ لبنان والمنطقة. كان أكثر من مخرج سينمائي، كان مؤرّخاً. في «كفر قاسم»، عكس الهمجيّة الإسرائيليّة على العمال الفلسطينيّين، الفيلم كان بمثابة توثيق للحظة معينة، لا يقتصر على إدانة أو وقوف مع القضية الفلسطينية، كان يحثّنا على التّعرف إليها أكثر، أن لا نبكي فقط على فلسطين، بل أن نفكّر، أن نطرح الأسئلة ونحاول الحصول على أجوبة. وكما في كل أفلامه، كان يحثّنا على أن تكون لدينا قراءة نقدية للأحداث. عرف بيروت وعشقها. كان من أجمل السينمائيّين الذين عرفوا الحب وعاشوه وتكلّموا عنه. في «بيروت اللقاء» (1982)، يحاول العاشقان بين بيروت الغربية والشرقية التواصل بأدنى الإمكانيات. في المشاهد الأولى من الفيلم، فسّر لنا كل شيء من خلال الصورة والصوت، قبل النُّطق بكلمة. العاشقان يسجّلان يوميّاتهما، وزينة تلخّص كل شيء «ليش لازم يكون العجز هو أنسب اسم للبنان؟». بعد «بيروت اللقاء»، ضاع لقاء برهان ببيروت وقرّر الرحيل. برهان ماركسي بريختي، جرّدنا من نفاقنا، وكان من أصدق المخرجين اللبنانيين، اعترف بأن فيلمه الأخير «خلص» (2006) كان النهاية، والعنوان يكفي. لسينما برهان قوة وأداة تغيير، صوّر بيروت في الحرب وبعد الحرب، في «إليك أينما تكون»، (2001) نبّهنا بأن بيروت ليست بخير، بيروت قلقة، وهناك شيء غير طبيعي يحصل فيها ليلاً.

من غير المنطقي أن يرحل برهان علوية، هو الذي صنع السينما لتجبرنا على التفكير بمنطقية، أن نطرح الأسئلة النقدية وأن تكون هناك أجوبة منطقية على كل شيء. رحيل برهان علوية مفارقة كبيرة اليوم. هناك شيء غير عقلاني في رحيله يجعلنا نغضب. مع كلّ ما يحصل اليوم في لبنان، لم يعد لدينا إلّا الله، ولكن برهان قال لنا «لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء» (1978).
حزينٌ كان برهان على البلد والسينما، وكان يثق في الجيل الجديد من السينمائيّين، الذي لم ينصفه. لذلك كانت لديه قناعة بأنّ عليه العمل دوماً. في النهاية، ما قالته زينة في فيلم «بيروت اللّقاء»، يوقفنا في مكاننا «منقول فلان مات، مش فلان وفلان يلّي ما بدنا أياهن يموتوا»، ولا نريد أن يرحل برهان علوية.