اتّصل بي صباح أمس نجا الأشقر الذي كان فقد والده قبل يوم وأخبرني أن برهان علويّة قد غادرنا بدوره. وكأنّ الآباء يرحلون ويتركوننا أيتاماً في بلد لا يوجد فيه أب جامع يهتمّ بمواطنيه ويمنعهم من التحوّل إلى أموات أحياء كما في أفلام الرعب التي وقّعها جورج روميرو.

تليق ببرهان علويّة صفة الأب وتحديداً الأب الروحي لما نقدر أن نسمّيه السينما اللبنانيّة الجديدة، التي ظهرت في السبعينيّات وجاءت مواكبة للسينما البديلة التي تحاكي واقعها وتخرج من دهاليز الترفيه السطحي والتقليد. كان برهان رائداً في هذا المجال مع جيل ضمّ مارون بغدادي وجوسلين صعب وهيني سرور ورندا الشهال وجان شمعون وغيرهم.
عرف علويّة كيف يتناول الواقع الفلسطيني وكيف يُظهر مفاعيل الاحتلال الإسرائيلي وانعكاسه على المجتمع الفلسطيني وتكوينه، فجاء «كفر قاسم» (1974) كأحد أوّل وأبرز الأفلام العربيّة التي أخرجت القضيّة الفلسطينيّة من بازار البروباغندا والخطابات الخشبيّة.
كان انتماؤه العربي واضحاً وصادقاً من خلال اختيار مواضيعه، فأعاد تكوين قرية «كفر قاسم» الفلسطينيّة في سوريا في فيلم من إنتاج «المؤسسة العامّة للسينما»، وذهب إلى مصر حيث صوّر «لا يكفي أن يكون الله مع الفقراء» (1978) قبل أن يعود إلى بيروت مع «بيروت اللقاء» (1981) ليفتتح مع هذا الفيلم المحوري مراسلات مستمرّة مع المدينة ستمتدّ لسنوات وتغطّي زمن الحرب والمنفى وأخيراً العودة مع «إليك أينما تكون» (2001).
حاول أن يختتم مشواره السينمائي وعلاقته ببيروت مع «خلص» (2006) وكأنّه كان يعلن عن نهاية زمن الأحلام وعن هزيمة محتّمة قضت على فرص الحب واللقاء. وبقيت بعض القطط في المدينة لتناول العشاء فيما اصطدم البشر بالأفق المسدود.
طوال هذه المسيرة الطويلة، لم يكتفِ برهان بالأفلام فقط، بل حاول، منذ عودته في منتصف التسعينيّات إلى بيروت، أن يخلق صندوق الدعم للإنتاج السينمائي الذي عمل عليه بعض الزملاء الآخرين.
كنت في مطلع العشرينيّات، أتابع هذه الاجتماعات وأشهد على اندفاعه وما لبثت أن توطّدت علاقتنا، بخاصة بعدما أصبح برهان أستاذي في معهد السينما في «جامعة القدّيس يوسف-بيروت» والمشرف والداعم لفيلمي القصير «ألف ليلة ويا ليالي» (1999) الذي حرص أن أصوّره على شريط سينمائي بإنتاج من الجامعة وأذهب إلى بلجيكا لأتمم عمليّات الفيلم النهائيّة في المختبر الذي شهد على البعض من أفلامه.
بعد العرض الأوّل للفيلم، قال لي: «حان الوقت الآن أن تقرّر إن كنت تريد أن تصبح مخرجاً أم ناقداً». أجبته أنني أريد قبل أي شيء أن أكون مخرجاً وأن أحافظ على نقدي بدءاً بأفلامي. فالجلسة مع برهان علويّة كانت دائماً جلسة تُطرب الفكر من حيث تحليله للواقع وطرحه الأسئلة الجوهريّة. كأنّ السينما تعود أوّلاً إلى هذه الجذور قبل أن تلتهي بالتقنيّات وعرض العضلات.
كان يقول لي لا تنسى أن تخبر طلّابك عن أفلامي، فلم أتوقّف منذ أكثر من عشرين سنة أن أنقل تجربة هذا الجيل الرائد. رحل برهان ليلتقي بمارون وجان وجوسلين ورندا. وكأنّ رحيل هذا الجيل المؤسس يواكب رحيل وطن.
قام نجا الأشقر مع «نادي لكلّ الناس» بالحفاظ على إرث برهان علويّة والعديد من روّاد هذه السينما التي ألهمتنا. ونحن اليوم نختبر من جديد ما قاله، فيصعب علينا اللقاء في بيروت فيما المنفى ينادينا. كم نرغب أن نصرخ معك يا برهان ونقول: «خلص!» فيحطّم صراخنا زجاج قصور الطغاة ويتدفّق إلى دهاليزها.

* كاتب ومخرج سينمائي