خطوط الانفصام الطبقي والاجتماعي والسايكولوجي في الأردن نُكئت مجدداً بعد طرح نتفليكس مسلسلها (الأردني) القصير الناطق بالعربيّة «مدرسة الرّوابي للبنات» (ستّ حلقات)، الذي يحكي قصص مجموعة من الطالبات في أجواء مدرستهن الثانوية على منوال مسلسلات المراهقين الأميركية. «الرّوابي» الذي يعاني من إيقاع بطيء قاتل والمفتقر إلى القيمة الفنيّة، لا يستحقّ ولا يحتمل كثيراً من النقد لمنهجيّة تناوله الساذجة والشديدة التسطيح لحالات اجتماعيّة وسايكولوجيّة معاصرة عابرة للمحلي الأردني. مع ذلك، يمكن أن يُقرأ كنتاج ثقافي لطبقة الكومبرادور في مجتمعات استعمار ما بعد الحداثة، وعلى عدّة مستويات متراكبة سياسياً وثقافياً واجتماعياً


صادر النظام الأردني ـــ كنموذج للأنظمة العربية ما بعد الكولونيالية المباشرة ـــ بشكل جذري وحاسم كل فضاء للتعاطي في الشأن السياسي أمام رعاياه. أدّى ذلك في ما أدّى إليه من تمديد لظواهر التخلّف وتكريس للتبعيّة، إلى انتقال الجدل العام بين المكونات المجتمعية إلى مساحات بديلة خارج ذلك الفضاء المحرّم والمنهيّ عنه، تراها الأنظمة موانىء آمنة لا تثير كثيراً من القلق، ويجد فيها الرعايا متنفساً لتفريغ هواجسهم السياسية المكبوتة (والإنسان عند علماء الانثروبولوجيا مخلوق سياسي بالفطرة) مرمّزة في قضايا جانبيّة وفرعيّة وضئيلة القيمة: من المباريات الرياضيّة إلى الانقسامات الفقهيّة، ومن الانتخابات الشكليّة إلى صحافة التدليس، ومن أزياء النساء إلى المسلسلات الدراميّة، وكل الذي بين ذلك من قنوات الهُراء المباح المتاح.
لعلّ ذلك وحده يفسّر قدرة هذا المجتمع على تناسي قضاياه الوجوديّة الملحّة، والاندفاع الاستقطابيّ لاتخاذ مواقف حادة حول خطوط الانفصام الطبقي والاجتماعي والسايكولوجي بشأن تفاهات أو أعراض جانبيّة لا تمس جذر أزمة دولتهم الملفقّة. هكذا تمكّن مسلسل درامي أردنيّ قصير، «مدرسة الرّوابي للبنات» (6 حلقات)، أنتجته نتفليكس الأميركيّة وتعرضه على منصتها حول العالم بـ 32 لغة، إضافة إلى عربيته باللهجة المحليّة للطبقة البرجوازيّة في الجزء الغربي من عمّان، من إثارة عاصفة جدل في الصحافة والبرلمان (عديم الصلاحية) وعلى مواقع التواصل الاجتماعي تكاد لا تنتهي بعدما انقسمت الآراء بشكلٍ حاد حول شكل ومضمون المسلسل الذي يحكي قصص مجموعة من الطالبات في أجواء مدرستهن الثانوية على منوال مسلسلات دراما المراهقين الأميركية.
ذكّرت هذه الموجة من الجدل (المحليّ) الحاد حول «الرّوابي» وأصداءها في العالم العربيّ بالأجواء التي رافقت طرح مسلسل «جن» قبل عامين كأوّل تجربة لمنصة البث الرقمي الأميركيّة في إنتاج مسلسلات أردنيّة، عندما انقسم المتابعون بشدّة أيضاً بين مرحّب بكسر تابوهات طالما تجنبتها الإنتاجات المحليّة، ومستنكر اعتبرها تهديداً للأمن الاجتماعي وصورة مجتزأة عن واقع مجتمع المملكة.

في كل عاصمة عربيّة، طبقة «روابي» تقود ثقافة المجتمع وتغلق الطريق أمام النهوض


يحاول «الرّوابي» (إخراج تيما شوملي، وشاركها في كتابة نصه شيرين كمال، وإسلام شوملي) مقاربة مسألة ما يسمّى بـ «التنمّر» التي يبدو أنّها قاسم مشترك أكبر بين العديد من المراهقين في مجتمعات كثيرة، وغالباً ما يؤدي إلى جروح سايكولوجيّة عميقة للضحايا، وتشوهات يصعب إصلاحها لنفسيّة المتنمرين، ناهيك بعواقب قد تتعاظم أحياناً لتبلغ حدود الإجرام. ويتم طرح هذه المقاربة في أجواء مدرسة بنات نخبويّة خاصة في الأردن نظريّاً، لكنّها في النهاية يمكن أن تكون ذاتها في أيّ من «الرّوابي» البورجوازيّة الكثيرة المنتشرة كالفطر السام في كل العواصم العربيّة. المقاربة الشومليّة للتنمّر حاولت في طريقها مسّ عدد من المسائل الشائكة في المجتمعات العربيّة كالنظرة تجاه العلاج النفسي، وتفكّك الأسر، وفقدان الثقة بالذات، والفراغ الروحي للأجيال الجديدة والتحرّش الجنسيّ وقمع الإناث في المجتمعات الذكوريّة، وجرائم الشرف، وتأثير مواقع التواصل الاجتماعي وتخلّف البنية السياسيّة للمجتمع.
هذا البرنامج الطموح لمواجهة زوايا حادة، عادة ما تتجنّب الأعمال الدرامية الأردنيّة التقليديّة التعامل معه مباشرة، وفتح صندوق حياة المراهقات - الحريم - المغلق تقليدياً للمتلصّصين، وقد وفّرت له نتفليكس خلاصة الخبرة الفنيّة الأردنيّة المكتسبة حديثاً من خلال شراكة متينة مع الجانب الأميركي الذي اعتمد الأردن ــ بناء لجهود بذلتها السلالة الحاكمة ــ كواحد من مواقع التصوير العالميّة. هذا البرنامج الطموح وقع في النهاية ضحيّة فقر السيناريو وتهافت التحليل الاجتماعي. بدلاً من أن يكون التنمّر نتاج عيوب مجتمعيّة وفشل قيميّ وعرضاً لسرطان تهتّك الثقافة السياسيّة، صار عند الشوملي جذراً لكل فساد آخر، وفي ذلك قلب للهرم رأساً على عقب. فالتلميذة شخصية المسلسل الشريرة، دفعت الثمن غالياً في النهاية بسبب تنمّرها على الأخريات وليس نتيجة التناقضات التي تعمدّت السلالات العربيّة تكريسها في ذهنية رعاياها لضمان تمديد هيمنتها عليهم. أمّا «كاتالوغ» المشاكل الاجتماعية الأخرى التي طرحتها الشوملي، فقد اكتفى بتسمية المثالب من دون الخوض فيها، على صيغة «وعنّا كمان كذا وكذا وكذا..». وهكذا، فإن شجاعة فكرة تفكيك المشكل الاجتماعي وموهبة الشوملي المخرجة، وأداء الصبايا الممثلات الأردنيّات الممتاز في معظمه أخذاً بالظروف الموضوعيّة المحليّة، وتقنيات التصوير والإضاءة والصوت المتقدمة كما الغرافيكس المميزة ـــ لنقل محتويات المواد المتبادلة عبر الهواتف الذكيّة ـــ ذهبت جميعها ضحيّة الشوملي الكاتبة الضحلة الثقافة، والسيناريو المهلهل والبطيء الإيقاع بشكل لا يصدّق.
لكن الجدل (المحليّ) لم يُعنَ كثيراً بنقد العمل كمنتج دراميّ محض يستخدم أدوات الخيال والكاميرا لطرح الأفكار بقدر ما تحوّل إلى تراشق حول جانبي نجاحه الصريح في تقديم طريقة تفكير الطبقة البرجوازيّة في العالم العربي بكل ضحالتها وتفاهتها وفقدانها للشخصيّة الوطنيّة وخضوعها النهائيّ للطبقة الحاكمة وللأمركة الثقافيّة: طرفٌ يراه عملاً «تقدميّاً» يتجرّأ على الذهاب نحو مساحات طالما تمّ تجاهلها والتعمية عليها، فيما يضعه الطرّف الثاني في مربّع تشويه صورة المجتمع (الأردنيّ والعربيّ والمسلم) والترويج لمناخات تهتّك أخلاقيّ وإفساد تستهدف الأجيال الشابة.

من المسلسل

وللحقيقة، فإنّ «الرّوابي» الذي يسهل دائماً انتقاده لمنهجيّة تناوله الساذجة والشديدة التسطيح لحالات اجتماعيّة وسايكولوجيّة معاصرة عابرة للمحلي الأردني، يمكن مع ذلك أن يُقرأ بتمعّن - كما كل عمل فنيّ - كظاهرة كليّة في الإطار السياسي والثقافي والاجتماعي، بل الاقتصادي أيضاً لعملية انتاجه. «الروابي» بهذا المنظار الأوسع من مضمونه الدرامي، نموذج محليّ للمنتجات الثقافيّة لمجتمعات الهامش الرأسمالي، يحكي حدود خيال نخبة الكومبرادور المعولمة المتأمركة الهوى التي توّلت إدارة الطبعة الأحدث من الاستعمار الغربي بالنيابة عن السادة البيض. «الروابي» منتج ثقافي من هذه الطبقة في تمظهرها الأردني، وعنها (رؤيتها للعالم ونظرتها لذاتها وسقف عقلها وخلاصة أحلامها) وإليها (الجمهور الذي احتفى بها محليّاً جزء من هذه الطبقة أو من منسوبي الطبقة الوسطى المتشبثة بأحلام الترقي الاجتماعي نحو البرجزة). والأردن تحديداً بحكم عقود من سياسات التنفيع والإفقار وسيطرة الأجهزة الأمنية والانقسامات العرقيّة واحتضان الحركات الإسلاميّة والتآمر ضد المحيط العربي، يعيش تفاوتاً هائلاً بين نظام عيش طبقة (عمان الغربيّة) حيث العائلة الحاكمة والبورجوازية المحليّة والمستوردة من الدول المجاورة والأجانب في عالمهم المتحرر والمرفّه الذي يستوحي إلهامه الثقافيّ من الغرب، ويقابلها بقيّة الأردن المسحوق سواء في شرقي العاصمة أو في مخيّمات الفلسطينيين أو الأطراف المهمشة، حيث الفقر سيد الموقف بما يستتبعه ذلك من ضغوط نفسيّة وتجهيل وصراعات على لقمة العيش تمنح المحافظة والبطريركيات ومنظمات الإسلام السياسي بحر الظلام الذي تحتاج لتعشّش فيه وتتمدد. هذا التفاوت بين الجانبين، جعل المجتمع الأردني أقرب إلى صندوق جمع عالمَين منفصلين يتعايشان من دون اختلاط حقيقي بينهما، أقلّه إلى أن يأتي ما ينكأ الجراح الطبقيّة كما في «الروابي» وقبله في «جن»، التي تخدم، من دون قصد، كصورة سالبة (نيغاتيف) عن غياب أيّ فضاء حقيقيّ للتواصل بين مجموع الهويّات المختلقة التي تشكل النسق الاجتماعيّ لما بعد الحداثة في دول الهامش الرأسمالي، ومرآة للمأزق المتراكب: الاجتماعيّ والثقافيّ والطبقيّ والسيكولوجي الحاد الذي تعيشه شعوب المنطقة نتيجة احتكار السياسة والموارد من قبل السلالات الحاكمة، ومن في مقامها.
«الروابي» كفكرة وتعبير، حكاية من نسيج واقع طبقة تمثّل خطّ الدفاع الأول عن السلالات العربيّة وأشكال الاستعمار الجديد. في كل عاصمة عربيّة، ثمّة طبقة «روابي» تقود ثقافة المجتمع وتغلق الطريق للنهوض والتعبير أمام بقيّة الطبقات، وتكسو هيكل السلطة القائمة لحماً. تلك الطبقة المستفيدة لن تزول بكيل الشتائم الموسميّة لمسلسلاتها الدراميّة كلّما أطلقت نتفليكس عملاً أردنيّاً جديداً.

«مدرسة الرّوابي للبنات»
على نتفليكس