كان مسلسل «ميلاد الفجر» (كتابة زكريا أبو غالي وإخراج حسام أبو دان /2021)، بسويّته الفنيّة الجيّدة قياساً بظروف الإنتاج الصَّعبة داخل قطاع غزّة المحاصر، ومع فرص العرض المقبولة التي حظيَ بها عربيّاً، بمثابة ميلادٍ جديد للدراما الفلسطينيَّة التي لم تكن غائبة تماماً في الأعوام الماضية بطبيعة الحال، لكنَّها تسلك اليوم مساراً تصاعديّاً لا يبدو أنَّه سيتوقّف في ظل التفات صنّاع القرار في غزّة أخيراً إلى أهميَّة الدراما في الصّراع.

يرى غسان سالم أنَّ الدراما «لا تقل أهميَّة عن السلاح وعن الخطاب السياسي في إيصال صوتنا للعالم»

وقد حمل المسلسل إلى المشاهد العربي أسماء سبق لها أن أثبتت نفسها داخل القطاع واستحقّت فرصةً أكبر، يأتي في طليعتها الممثّل الذي لعب الشخصيَّة الرئيسيَّة في العمل «جهاد»، وهو غزّاوي بسيط خاض تجربة الاعتقال بعد كسره قرار حظر التجوال ليلاً لنقل طفله المريض إلى المستشفى، فوجد نفسه فجأة في قلب العمل السرّي المقاوم على خُطى والده الشهيد، ليخوض بعدها مع الضابط الإسرائيلي «فيكتور» (جواد حرودة) صراعاً محموماً سيتواصل مع أحداث الجزء الثاني الذي يبدأ تصويره قريباً.
في عام 2011، كان المخرج الفلسطيني أحمد حسّونة في صدد التحضير لفيلمٍ قصير عن الانقسام الفلسطيني والعدوان الإسرائيلي المستمرّ على قطاع غزّة، فوقع اختياره على أحد أصدقائه لبطولة الفيلم. هذا الصديق كان قد أنهى دراسته في اختصاص الإذاعة والتلفزيون قبل عامين، ولم يجد نفسه بعد في تحرير الأخبار وإذاعتها في قناة «فلسطين اليوم» الفضائيَّة، فوافق على الفور.
كانت هذه التجربة بدايةً لمسيرةٍ فنيَّة طويلة لغسان سالم لم تتوقف حتى اليوم. مع الانطباعات الإيجابيَّة التي رافقت عرض الفيلم وتحديداً لجهة أداء بطله، اختاره المخرج الراحل ماجد جندية للمشاركة في فيلمه الوثائقي «الوهم المتبدّد» (إنتاج «دائرة الإعلام العسكري في كتائب القسَّام»/ 2012)، عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط. وفي عام 2013، قدَّم سالم برنامج «مش هيك» الرّمضاني الذي تضمَّن مقاطع تمثيليَّةً قصيرة عن العادات الإيجابيَّة والسلبيَّة في شهر الصوم مع استصراح المواطنين حولها، لتأتي بعدها تجربته الدراميَّة الأولى مع مسلسل «الروح» (إخراج عمار التلاوي، وإنتاج قناة الأقصى/ 2014)، قبل أن يختبر العمل كمدير إنتاج لأفلام قصيرة وفواصل إعلانيَّة، مما منحه خبرةً كبيرة في التعامل مع الممثّلين ومعالجة النصوص وإنجاز الديكور، لتصير الدراما بكلّ تفاصيلها لعبته المفضَّلة. و يعرف كل من يدرك ظروف الإنتاج الصَّعبة في ظلّ الحصار المفروض على القطاع، أنَّ تعدّد الاختصاصات هذا ضرورةٌ أكثر من كونه ترفاً، ودليلاً على عظمة الطّاقات الموجودة داخل القطاع.
ورغم إصرار غسان على تقديم نفسه دائماً كممثّل، فإنَّه يحرص في حديثه إلى «الأخبار» على تأكيد افتخاره بكلّ ما قدَّمه على مستوى الإنتاج، وفي طليعته الفيلم الروائي «رحلة 78» (2017) الذي يحكي قصَّة بهاء عليان، الشاب المقدسي الذي نفَّذ برفقة صديقه بلال أبو غانم، مطلع انتفاضة القدس، عمليَّة إطلاق نار وطعن في حافلة للمستوطنين أدَّت إلى مقتل ثلاثة مستوطنين وإصابة آخرين واستشهاد بهاء وإصابة بلال ثمَّ أسره.
بعدها، شارك سالم في مسلسل «الفدائي» (كتابة أحمد عبد اللطيف داود وإخراج محمد خليفة وإنتاج «شبكة الأقصى الإعلاميَّة»/ 2016)، ثمَّ كممثّل وصانع ديكور ومدير إنتاج في فيلم «إستروبيا» (كتابة أحمد العشي وسامح القطّاع وإخراج أحمد حسّونة/ 2019) الذي تدور أحداثه حول مجموعة من الشبّان الفلسطينيين تدفعهم ظروف الحياة إلى الهجرة من قطاع غزّة عام 2012، فتُفقد آثارهم بعد ركوبهم على متن قارب تهريب من شواطئ الإسكندريَّة في مصر.
نجاح فيلم «إستروبيا» جعله من أبرز المحطَّات في مسيرة سالم، ولكنَّه حمل له في المقابل صدمةً لن ينساها، بعد اكتشافه أنَّه ممنوع من دخول الأراضي المصريَّة، ومحرومٌ تالياً من مغادرة قطاع غزّة. جاء ذلك لدى محاولته الوصول إلى الاسكندريَّة عبر معبر رفح برفقة المخرج أحمد حسّونة، للمشاركة في مهرجانها السينمائي الخامس والثلاثين (2019) حيث فاز الفيلم يومها بجائزة لجنة التحكيم الخاصَّة في المهرجان ونال إعجاب الفنانين الحاضرين من مختلف الدول العربيَّة. يستغلّ سالم وصول الحديث إلى هذه النقطة لتوجيه مناشدةٍ عبر «الأخبار» إلى كل من يؤمن بالعدالة على سطح هذا الكوكب: أنا فنّان يطمح للمشاركة في أعمال دراميَّة في سوريا ولبنان والأردن وغيرها، وللوقوف إلى جانب فنّانين عرب وعالميين، ومعبر رفح ومن بعده مطار القاهرة هما بوَّابتي الوحيدة إلى هذا العالم، ولكنّني مُحاصرٌ داخل مساحة 45 كلم2 لأجلٍ غير معلوم ولأسبابٍ أجهلها.
ينتظر انتهاء كتابة الجزء الثاني من «ميلاد الفجر» المفترض انطلاق تصويره سريعاً للحاق بالموسم الرمضاني المقبل


توافر الموهبة وتحقّق النجاح لم يمنعا غسان من دراسة التمثيل حالما سنحت له الفرصة عام 2016 من خلال مؤسَّسة «أيّام المسرح» للتعليم المسرحي الأكاديمي، التي تعمل على إعداد الممثّلين والمخرجين، وسيتخرّج منها العام المقبل، بعد اكتسابه خبرات إضافيَّة في كتابة النّصوص وتقديم عروض مسرحيَّة وورش دراما للأطفال.
أمَّا عن تعاونه مع حسام أبو دان مخرج «ميلاد الفجر»، فقد بدأ في عام 2020 مع مسلسل «عنقود» (كتابة محمد أبو شمالة وإخراج أبو دان) الذي تولّى أبو دان إنتاجه بنفسه من خلال شركته «نيو سين» وتسويقه لدى محطّات فضائيَّة فلسطينيَّة عديدة مثل «فلسطين اليوم» و«القدس اليوم» و«فلسطيني»، وهو يدور حول حادثة حقيقيَّة حصلت إبّان عدوان «الجرف الصامد» (2014) حيث حوصر عدد من المواطنين بينهم امرأة حامل داخل عيادة الطبيب كمال قديح في بلدة خزاعة جنوب قطاع غزة بعد اجتياح قوات الاحتلال للبلدة وارتكابها مجازر مروّعة فيها، وعاش المحتجزون ظروفاً صعبة وقاسية للغاية. وقد حصد المسلسل انطباعات إيجابيَّة دفعت قناة «القدس اليوم» إلى إسناد «ميلاد الفجر» إلى أبو دان.
«ميلاد الفجر» يحكي سيرة حركة «الجهاد الإسلامي» ضمن حقبة زمنيَّة معيَّنة من خلال أبرز شهدائها وقادتها وفي طليعتهم أمينها العام فتحي الشقّاقي (يلعب دوره محمد أبو كويك) وبالاستناد إلى عمليَّاتها النوعيَّة التي ساهمت في تغيير المعادلات في غزّة بين فترة الانتفاضة في الثمانينات وبين اليوم، وهو يمثّل محاكاةً لمسلسل «الغالبون» الذي جسَّدَ تجربة حزب الله في مقارعة الاحتلال ضمن قالب درامي. وكان هذا المسلسل بحاجة إلى شخصيَّة وهميَّة تمثّل الإنسان الفلسطيني والمقاومة بكل فصائلها، وتمسك بزمام الأمور، وتربط بين الأحداث، خصوصاً أنَّ بعضها متباعد زمنيّاً، وتتيح إنجاز جزء ثانٍ من المسلسل بعد غياب معظم أبطال الجزء الأوَّل بحكم استشهاد الشخصيَّات التي يؤدّونها، فكانت شخصيَّة «جهاد» بالتنسيق بين أبو غالي وأبو دان وسالم الذي اشترك في المعالجة الدراميَّة للنصّ، واختار أبو دان سالم لأداء هذا الدور بالتوافق مع قناة «القدس اليوم».
وينتظر سالم اليوم انتهاء كتابة الجزء الثاني من «ميلاد الفجر» المفترض أن يبدأ تصويره سريعاً للّحاق بالموسم الرمضاني المقبل الذي سيكون حاضراً فيه من خلال دور رئيس في مسلسل آخر تنتجه قناة «الأقصى» ويحمل إسم «القبضة»، فضلاً عن انشغاله ببروفات مسرحيَّة «بوابة ريتشموند» التي سيكون عرضها الافتتاحي في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
ويأسف سالم في ختام حديثه لنجاح العدوّ من خلال إنتاجه الدراميّ في «سبق أصحاب الحقّ إلى غزو العالم فنيّاً عبر تقديمه أعمالاً قويَّة ومقنعة ومؤثّرة نجحت مراراً في قلب الحقائق وتقديم العدوّ كمدافع عن الأبرياء والفلسطينيّين كقتلة ووحوش ومصَّاصي دماء». ويرى أنَّ الدراما «لا تقلّ أهميَّة عن السلاح وعن الخطاب السياسي في إيصال صوتنا للعالم كأصحاب أشرف وأعدل قضيَّة على وجه هذه الأرض التي لا تعرف بعض شعوبها شيئاً عن فلسطين وعدالة قضيّتها»، مؤكّداً أنَّ أفلامنا ومسلسلاتنا لن يصنعها أحدٌ غيرنا وأنَّ حكاياتنا لا يرويها سوانا، داعياً كل فلسطيني قادر على المشاركة في دورة الإنتاج وتزخيمها من أيّ موقع كان، إلى عدم توفير جهده، خصوصاً مع التفات أصحاب القرار في غزّة أخيراً إلى أهميَّة هذه المعركة وتشجيعهم للإنتاج الدرامي ودعمهم له بكلّ الأشكال المُمكنة.