یرتبطُ اسمُها في أذهان الإيرانيين اليوم بأغنية «أتوقُ للبكاء» التي أدّاها الموسيقار والملحّن المبدع هومايون شجريان، فكانت من أجمل القصائد التي تماهت مع ألحانِها حتى صاغت لوحةً موسيقيّةً ومقطوعةً تشكيليّةً خالدة. تقولُ كلماتُها:

قلبي كئيبٌ يا صديق، توقٌ للبكاءِ في صدري
أينَ عسايَ أتوجّهُ، إذا ما فررتُ من قفصي؟
إلى أينَ أذهب؟ فلا أعرفُ طريقَ البستان
فأنا مَن أبصرتُ النورَ في عنقِ الزجاجة
لا معلقٌ بأحدٍ قلبي، ولا معلّقٌ بي قلبُ أحد
مثلَ حطامِ زورقٍ خشبيّ، فوق الموج
حرّةٌ، حرّةٌ أنا، حرّة.


ولدت سيمين خليلي بهبهاني، شاعرة الغزل الإيراني المعاصر (20 تموز/ يوليو 1927-2014) في طهران من أسرةٍ مثقّفة تهوى الشعر والأدب. كان أبوها شاعراً، كاتباً ومديراً لصحيفة، ينظم الشعر باللغتين الفارسية والعربية، حيث قام بترجمة أكثر من ألف بيتٍ من شاهنامة الفردوسي إلى العربية كما كان روائياً. وكانت والدة سيمين تعشق الشعر والنثر وتجيد اللغة الفرنسية وتنظم الشعر، وكانت معروفةً في زمانها. هكذا تجرّعت سيمين حبّ الشعرِ وراحت تنشدُ القصائد مثل شدو البلبل، وغذّت قريحتها بمطالعة الغزل والشعر. ورغم أنّها مارست مهنة التعليم ثلاثين سنةً، غير أنها عادت إلى شغفها الأول وتولّت منصب مديرة مجلس الشعر والموسيقى مع زملائها هوشنج إبتهاج، نادر نادربور، وآخرين. كتبت أكثر من 600 بيتٍ غزليّ، والمعروفٌ بأنّ الغزل في الشعر الفارسي هو أحد الأنماط الأدبية. بتعبيرٍ آخر هو قالبٌ من الشعر الفارسي الأصيل. يتألف الغزل الشعري من 5 إلى 14 بيتاً، وتكون القافية واحدةً في المصراعين. ويتنوع الغزل الفارسي بين غزلٍ عرفانيّ، غزلٍ عاشقٍ، غزل تلفيقي (عشق وعرفان)، غزل سياسي، وغیر ذلك بحسب الموضوع. وفي الشعر الحديث، اشتهر بالغزل الفارسي هوشنج إبتهاج وسيمين بهبهاني بشكلٍ بارز، حيث تفوقت سيمين في ابتكارِ أوزانٍ جديدةٍ في نمط الغزل حتى عرفت بـ «نيما الغزل». تميز غزلها بالتمحور بشكلٍ بارز حول مواضيع الحبّ، مغازلة المحبوب، الشكوى من الزمان، حب الوطن، الثورة، الفقر، حرية التعبير. تقول في قصيدتها «سأعمرُكَ من جديدٍ يا وطني»:
وطني، سأَعمُرُكَ من جديد
وإن يكن من طَوبِ روحي
أرفعُ عمودَ سقفِك
وإن من عظامي،
سأشمُّ زهورَكَ مرةً أخرى
بذائقةِ جيلِ شبابِك،
سأغسلُ منكَ الدماء
بسَيلِ دمعي الجاري،
في صبحٍ مشرق،
ستغادرُ العتمةُ البيتَ من جديد،
بالأزرق ستلوّنُ قصيدتي
سمائي،
وإن متُّ في عمرِ المئة،
سأقفُ عند قبري
لأجتثَّ من صرختي تلك
قلبَ أهريمن (الشيطان)،
فالذي يحيي الرميمَ بلطفِهِ
سيهبُني المجدَ مثلَ جبلٍ
في ساحة الامتحان،
وإن كنتُ عجوزاً، غيرَ أن التعلم
سيجعلني أبدأ شبابي،
مع شباب هذا الوقت،
هكذا أصوغُ من شوقي، حديثَ حبّ الوطن
فيصيرَ كلامُ القلبِ حياً، کلما نطقَت شفتاي،
في الصدرِ ما زالت تلتهبُ نارٌ،
لا أخالُ تخبو ضِرامُها في صدرِ نسلي الآتي
سأمنحُكَ القوةَ من جديد،
رغم أنّ شِعري نزفَ حتى الردى
سأعمرُكَ بروحي من جديد،
وإن كان ذلك،
أكبرَ من قدرتي.
حبّ سيمين للوطن تجلى في غزليّاتها كما في حواراتها. تقول: «إحدى عاداتي أنه لا يمكنني أن أنظم الشعر خلال أسفاري البعيدة، حقاً لقد اعتدتُ على هذه التربة وهذه المياه، ولا يمكنني أن أتحمل الابتعاد عن هنا».
لقد طالعت سيمين أشعار سعدي وحافظ الكلاسيكية، وتأثرت بأشعار نيما يوشيج، أب الشعر الإيراني الحديث، وتعلن بأنها بدأت بكتابة أبياتٍ نيمائية ثم بيتاً بعد آخر، راحت تكتسب خبرةَ خلقِ أوزانٍ جديدة. فالحياة بالنسبة إلى سيمين ما هي إلا تجربة بعد تجربة.
تقول:
لي ألفُ أمنيةٍ وألفُها أنت
بدايةُ الفرح ونهايةُ الانتظارِ أنت
الربيعاتُ التي مرّت من عمري، ومرت في غيابك
لم تكن إلا خريفاتٍ.. فالربيعُ أنت..
يعودُ النمط الغزلي إلى القرن الرابع والخامس الهجري، حيث كان يُقرأ على وقع الموسيقى. وبرز من شعراء الغزل خاقاني ونظامي في القرن الخامس، وكان سنائي أول شاعرٍ غزليٍّ ابتكرَ الغزل العرفاني، وكان المولوي جلال الدين البلخي الرومي معروفاً بهذا النوع كذلك، بينما كان حافظ من رواد الغزل التلفيقي (الذي يجمع العشق والعرفان). ومرّ الغزل بحقباتٍ من الانحطاط في الحقبة القاجارية التي كانت فترة انحطاط المسلمين على كافة المستويات، فارتبط الغزل بالثورة الدستورية والمديح السياسي تارةً والتحريضي والعقائدي. غير أنّه عادَ ليسترجعَ أصالته تدريجاً في أشكاله المعاصرة، لا سيما في الستينيات عندما تميزت سيمين بهبهاني في ابتكار الغزل الحديث بعد حقبة الغزل النيوكلاسيكي وشعر محمدحسين شهريار. ولا ننسى الوجوه البارزة في هذا النوع من الشعر، قيصر أمين بور، مريم آذرماني، حسين منزوي وآخرين. وتعتبر سيمين من رواد الشعر النسائي بعد بروين اعتصامي وفروغ فرخزاد.
ويعدّ العنصر الجمالي عالياً في غزل سيمين لناحية الموسيقى والقوافي والروح الرومنطيقية الرهيفة. ولذا كان الغزل أفضل الأنماط الشعرية والمضامين الغنائية. فقد غنّى هومایون شجریان ابن الموسیقار الراحل محمدرضا شجريان غزليتها الشهيرة «لا معلقٌ قلبي بأحد.. ولا أحدَ معلقٌ قلبه بي..»، وكان ديوانها «قیامة» من أجمل الغزليات الغنائية.
تقول في «قيامة»:
شبيهةُ مريم أنا، من فيضكَ اللیلة
حُبلى بالفضيحةِ غداً
يا نخلةً مثمرة!
* مترجمة وباحثة (الأبيات ترجمة مريم ميرزاده)