في نهاية الأسبوع الماضي، أتاحت الصّالات السينمائية في بريطانيا فرصةً لمشاهدة وثائقي عن موريتس إيشر (M.C. Escher) الفنان الهولندي الأسطوري الذي وظّف الوهم البصريّ اللذيذ والمحيّر في رحلة لا تتوقف بحثاً عن المستحيل واللانهائيّ عبر منطقة التّقاطع المذهلة بين المنطق الرياضي المجرّد الصارم وصيغة الإبصار بالعين البشرية. M.C. Escher: Journey to Infinity للمخرج روبن لوتز، مديح مستحق واحتفاء استعراضي بعقل جميل واستثنائيّ صارت نتاجاته الغرافيكيّة في الستينيات والسبعينيات، أيقونات لشبّان حركات الثقافة المضادة في الغرب، وتعد اليوم من «كلاسيكيّات» الفنّ الحديث


ربّما تكون لوحة «الصاعد الهابط» أي الدّرج الذي يصعد إلى ما لا نهاية في دائرة مغلقة، الأكثر شعبيّةً من بين أعمال الفنان الهولندي الأسطوري موريتس كورنيليس إيشر (1898 – 1972) وأفضل صيغة لتذكير الجمهور المعاصر به. ذلك الغرافيكيّ الساحر الذي ما زال بعد حوالي 60 عاماً على وفاته قادراً على إدهاشنا بطريقته الخاصة في رؤية العالم، وعبثه الذي لا يصدّق بالهندسة المعمارية والمنظور والمساحات المستحيلة لخلق وهم بصريّ لذيذ ومحيّر في رحلة كأنّها لا تتوقف بحثاً عن المستحيل واللانهائيّ. كل ذلك عبر منطقة التقاطع/ التناقض المذهلة بين المنطق الرياضي المجرّد الصارم وصيغة الإبصار بالعين البشرية، بين شطحات الخيال الجامح وجبروت الواقع البارد، وبين الرؤية الواثقة والتّفكير المتردد.


لم يكن إيشر ألمانياً ولا أنغلوفونياً، ولم تخدم أعماله المجهود الحربي/ الثقافي للنظام النازي قبل الحرب العالمية الثانية ولا للإمبراطورية الأميركية الصاعدة لقيادة العالم بعد الحرب. بل إنّ روح نتاجاته تعارضت بجملتها مع صناعة الوهم الجمعي الذي شيّده النازيّون في أذهان ملايين الأوروبيّين، وتبعهم فيه بعد سقوطهم في 1945 وبتفوّق تلامذتهم الأميركيّين. لذلك لم تعبأ أيّ من بيوتات الإعلام أو السينما الكبرى بإنتاج عمل توثيقيّ رئيسيّ عنه أثناء حياته. لقد بقيت شهرته ــ حتى بلغ تقريباً الستين من العمر ـــ أسيرة بلاد الأراضي المنخفضة (تسمية هولندا عند البريطانيين)، وكل الذي يتوفّر لدينا عنه من تلك الأيّام مقاطع مصوّرة قصيرة لا تشفي الغليل (يمكن الاطلاع عليها على موقع mcescher.com). ولذلك، فإن فيلم المخرج روبن لوتز «إيشر: رحلة نحو اللانهاية» (2018 ـــــ 81 دقيقة) يأتي ليملأ مساحة فراغٍ أهملته الأجيال السابقة، ويمثّل احتفاءً استعراضيّاً بعقل جميل واستثنائيّ صارت نتاجاته الغرافيكيّة في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كما أيقونات لشبّان حركات الثقافة المضادّة في الغرب، وتعدّ اليوم بلا جدال من «كلاسيكيّات» الفنّ الحديث.
الفيلم كان جاهزاً للعرض مع نهاية 2018، وقُدّم وفق برنامجٍ زمنيّ متدرّج في صالات عرض الأفلام في المتاحف بداية من مسقط رأس إيشر (ليوفاردن، هولندا). لكنّ جائحة كوفيد 19 أعاقت استكمال عرضه بتلك الصّيغة، مما دفع الشركة المنتجة إلى محاولة إنقاذه تجاريّاً عبر الصالات السينمائية الافتراضية، كما في بعض الصالات (في بريطانيا منذ 13 آب/ أغسطس الحالي)، إضافةً إلى إمكان حضوره على الانترنت عبر خدمة «غوغل بلاي» (Google Play).
كان عمله تعبيراً ذاتياً عميقاً عن القلق الوجودي وفقدان الثقة بأدوات المعرفة المتاحة للبشر


يبدأ الفيلم من السنوات الأخيرة في عمر إيشر عندما كان في أواخر الستين من العمر، وقد ذاع صيته بين الأجيال الجديدة في الغرب: تسابق الشبان على ارتداء الفانيلات التي تحمل رسومه، وتكاثرت البوسترات التي حمّلها فنانو الغرافيكس ثيمات من أعماله أو نسخاً ملونة من الرسوم القاتمة التي أنجزها على قوالب طباعة خشبيّة في المراحل المختلفة. لم يفهم إيشر تماماً لماذا يهتم هيبيون في كاليفورنيا مثلاً بلوحة مبلطة بالأسود والأبيض تتحدى البصر للاختيار بين أن ترى طيوراً سوداً على خلفيّة بيضاء أو طيوراً بيضاً على خلفيّة سوداء. بالنسبة إليه، لم يكن حتى يعتبر عمله فناً خالصاً: لقد كان تعبيراً ذاتياً عميقاً عن القلق الوجودي وفقدان الثقة بأدوات المعرفة المتاحة للبشر. لكنّ أولئك الهيبيين وجدوا في إيشر مضموناً ثورياً تاماً ضد مسلمّات السلطة يتحدى اللون الأيديولوجي الواحد الذي فرضته ثقافة الإمبراطوريّة الأميركية على معظم الكوكب منذ 1945.
الجيل الأميركي الجديد اكتشف إيشر بمحض الصدفة. إذ نشرت مجلّة «التايم» الأميركية مقالة عابرة عنه في 1954، لكنها كانت كافية لإثارة فضول البعض الذين شرعوا في البحث عن كل ما هو إيشر، وتحوّل اسمه بين ليلة وضحاها إلى رمز ثوريّ على جانبَي الأطلسي. وقد اتصل به هاتفيّاً وقتها المغني البريطانيّ الشهير مايك جاغر ليطلب منه تصميم غلاف ألبوم قادم. كانت الإجابة بالرفض الصريح. تلقّى جاغر فوق ذلك توبيخاً شديداً من إيشر لإقدامه على مخاطبته باسمه الأول، موريتس، من دون سابق معرفة.
يتولى الممثل والمذيع ستيفن فراي تقديم كلام إيشر طوال الفيلم نقلاً من مراسلاته الضخمة ويومياته. وهو يؤدي توبيخ إيشر لجاغر بنكهة واثقة مميزة وباستمتاع، وإن كان بعضهم يقول بأن إيشر كان أقل صلفاً من ذلك، وأكثر تردداً ولطفاً مع الآخرين. المغني وكاتب الأغاني الإنكليزي غراهام ناش لقي تعاملاً ألطف عندما اتصل به لمجرّد أن يقول له كم يعتبره فناناً عظيماً. ولكنّ حديثاً فُتح وتوسّع إيشر بالكلام.
كان غير متأكدٍ من صفة «فنان» التي استخدمها ناش وقال له بأنّ الفنانين يبحثون عن الجمال، لكن اهتمامه الخاص بالتّماثل والتناظر والترابط «بحث في استكشاف العجائب»، مما لا يؤهّله لاعتبار ما ينتجه فنّاً. العجائب عنده بالطبع تعني لنا التساؤل بشأن إمكان الرؤية والإبصار، لا صنع التأثيرات والجماليات البصريّة: أي هل نحن ــ كبشر ـــ قادرون على رؤية حقيقة العالم، أم أننا نخلق بعيوننا أوهاماً نصدّقها ونتعايش معها؟ وتلك إذا أوجزناها معضلة الفلسفة (الغربيّة) الأساس منذ سقراط الحكيم.
اعتقد ناش حينها بأنّ شهرة إيشر سوف تُطبق الآفاق بعد وفاته. ويبدو أن الوقائع وفيلم لوتز يتفقان على ذلك بشدّة. إذ ظلّ إيشر يعتقد حتى وقت متأخر من حياته بأنّه أقرب إلى حرفيّ منه رساماً، ويلوم نفسه لأنّه «يتحدّث لغة يفهمها عددٌ قليل جداً». لغة أقرب إلى المعادلات الرياضيّة المجرّدة، رغم تمتعه بـ «رحلة بحث شديدة الفتنة لاكتشاف العالم بعيني طفل». لكنّه اليوم يحتفظ بمكانة رفيعة وخاصة في كل تأريخ للفنون في القرن العشرين.

من فيلم M.C. Escher: Journey to Infinity

يستعرض الفيلم إيشر الشخص من خلال الصور الفوتوغرافية، والأفلام المنزلية، ومقابلات مع اثنين من أبنائه، إضافة إلى أعمال الغرافيكس المتقدّمة. ومن الواضح أنّه رغم جديّة وحرفيّة منتجه الفنيّ، فقد كان شخصاً لطيفاً رومانسياً ليّن العشرة استمتع بزواجه وعائلته ومنزله، على الرغم من أن الحياة لم تكن بالضرورة سهلة دائماً، لا سيّما خلال تجربة الحرب العالمية الثانية القاسية التي أجبرتهم على الانعزال في مساكنهم، والتضورّ جوعاً لدرجة الإشراف على الموت. وفي وقت لاحق، استسلمت زوجته جيتا تدريجاً للزهايمر، ورحلت وتركته وحيداً في بلدة يفوق فيها عدد الأبقار أعداد البشر بكثير.
عاش إيشر طفولة سعيدة. اهتم والداه كثيراً بتعليمه من دون تقييد حريته الفكرية ربّما لأنه كان عديم الفائدة في المدرسة، وملّ سريعاً دراسته الجامعيّة في الهندسة المعماريّة فتركها بلا رجعة. لكن عبقريته تفجرّت عندما سافر هو ووالداه عبر فرنسا إلى إيطاليا، ووقع في غرام تلك البلاد التي تشمخ في ثلاثة أبعاد مقارنة بهولندا الباهتة المسطّحة. عن فلورنسا، كتب إلى صديق: «أنا مفتون بهذه المدينة إلى درجة أنني أخشى ألا تكون معدتي قادرة على تحملها».
ومن حينها قرر الانتقال للعيش في إيطاليا، حيث «العمائر والطبيعة والناس يخاطبونني مباشرة»، بينما «في سويسرا أو هولندا لا شيء، ولا أحد يتحدث إليّ». لكن إقامته هناك انتهت بعد صعود موسوليني والطغمة الفاشية إلى السلطة، فاضطر بعد نشوب الحرب للعودة إلى بلاده التي كان يحتلها النازيوّن. ويذكر أيضاً أنّه في رحلته للعودة، زار السّاحرة غرناطة جنوبي الأندلس وأصابته نشوة الطرب من الأنماط الهندسيّة المعقدّة للزخارف العربيّة التي تملأ كل سطح في تكرار خالدٍ لا يقدر عليه الزمن. وقد مدّد إقامته فيها لأيّام بغرض نسخ بعض تلك الزخارف التي أصبحت - مع موسيقى باخ - مصدر إلهامٍ له لاستكشاف التناظر والاختلاف والغوص في ما ورائهما.
لا مساحة في مجمل شريط «رحلة نحو النهاية» لنقد إيشر، لا الشخص، ولا الأعمال، ولا حتى المواقف السياسيّة. فالفيلم برمّته مديح لظلّ إيشر على الأرض من عين وفيّة تكنّ له شديد الإعجاب. هذا شيء جميل حتماً، لكنّه يتناقض تحديداً مع منطق إيشر نفسه، حيث الأبيض لا يُرى من دون غريمه الأسود.

M.C. Escher: Journey to Infinity على «غوغل بلاي»